من صفات الفعل ومن الإضافيّة المحضة وهذا معنى ما صرّح به أهل المعقول من انّ الحقيقية من صفاته تعالى عين ذاته وامّا الاضافيّة المحضة كالخالقيّة والرّازقيّة فهي خارجة عن الذّات وحادثة ليس المراد انّ صفته تعالى حادثة أو تجويز قيام الحادث به تعالى كمقالة الكراميّة فانّه كفر بل المراد انّ التكلّم وأمثاله ليس صفة حقيقية وانّما هو فعل والتّوصيف بالفعل إضافة محضة لا توصيف حقيقىّ ولا منافاة بين حدوث الفعل وقدم الفاعل والحنابلة والأشاعرة صحّحوا القياس الأوّل وقدحوا في الثّانى فمنع الفرقة الأولى كبراه حيث قالوا انّ تلك الحروف والالفاظ قديمة وافرط بعضهم حتّى ادّعى انّ الجلد والغلاف قديمان وهو عجيب ومنع الفرقة الثّانية صغراه زعما منهم انّ اتصاف الباري تعالى بالكلام ليس باعتبار هذه الحروف والالفاظ المصوّتة بل باعتبار صفة قائمة بالذّات قديمة سمّوها الكلام النّفسى وهو عندهم من قبيل المعاني لا الالفاظ ومغاير للعلم والإرادة والكراهة وساير الصّفات المشهورة قالوا في بيانه انّ من يورد صيغة امر أو نهى أو نداء أو اخبارا أو استخبارا أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبّر عنها بالألفاظ المصوّتة الّتى تسمّى بالكلام اللّفظى الحسّى وذلك المعنى الّذى يجده في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاح ويقصد المتكلّم حصوله في نفس السّامع ليجرى على موجبه هو الّذى نسمّيه بالكلام النّفسىّ وحديثها قال الشّاعر
انّ الكلام لفى الفؤاد وانّما * جعل اللّسان على الفؤاد دليلا
وباعتبار قيام هذا المعنى بالنّفس يكون المتكلّم متكلّما ولمّا كان صفات الواجب تعالى ذاته كان فيه تعالى قديما فهو كلامه تعالى لا الالفاظ المصوّتة ففسد صغرى القياس الثّانى من انّ كلام اللّه تعالى مؤلّف من اجزاء الخ احتجّوا على ذلك بوجوه امتنها وجهان الاوّل انّ المتكلّم من قام به الكلام لا من أوجده ولو في محلّ آخر للقطع بانّ موجد الحركة في جسم آخر لا يسمّى متحرّكا وانّ اللّه تعالى بخلق الأصوات لا يسمّى مصوّتا وانّا إذا سمعنا قائلا يقول انا قائم سمّيناه متكلّما وان لم نعلم انّه الموجد لهذا الكلام بل وان علمنا انّ اللّه أوجده فيه وحيث انّ اللّفظىّ الحسّىّ حادث ومن الممتنع قيام الحادث بالقديم لامتناع طريان العدم عليه فامتنع قيام اللّفظىّ به تعالى فتعيّن ان يكون كلامه هو الّذى ذكرناه إذ لا ثالث يطلق عليه اسم الكلام الثّانى انّ نسبة أحد طرفي الخبر إلى الآخر قائمة بنفس المتكلّم ومغايرة للعلم لانّ المتكلّم قد يخبر بما لا يعلمه وانّ المعنى النّفسى الّذى هو الامر غير الإرادة لأنّ الرّجل قد يأمر بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا وكذلك النّهى ولا نعنى بالكلام النّفسى الّا قيام نسبة الخبر بنفس المتكلّم وهذا المعنى القائم بنفس الأمر والنّاهى والجواب عن الاوّل اوّلا ما عرفت من انّ المتكلّم عبارة عن موجد الكلام واتّصافه بالكلام لا معنى له الّا ايجاده له بالمباشرة الاختياريّة فلو انتفى المباشرة كما في صورة التّسبيب لم يكن متكلّما كما لو انطق اللّه الذّئب لم يكن اللّه تعالى بذلك ناطقا بل النّاطق ح الذّئب وكذا لو انتفى الاختيار كالشّجرة حين كلّم اللّه موسى ع بها فانّ النّاطق المتكلّم ح هو اللّه تعالى لا الشّجرة لكونها آلة النّطق ولذا لا ينسب التكلّم إلى اللّسان في الإنسان فلا يقال لسانه متكلّم والعجب من هؤلاء