أحدهما : أنّه لا خفاء في أنّ اعتبار الخبر عند العقلاء إنّما هو لأجل كاشفيّته عن الواقع وإراءته له وأماريّته بالنسبة إليه . ومن الواضح أنّ الإراءة والكشف إنّما هو مع عدم ابتلائه بمعارض مماثل أو أقوى ، ضرورة أنّه مع هذا الابتلاء يتردّد الطريق والكاشف بينهما ، إذ لا يعقل كون كلّ واحد منهما مع وجود الآخر كاشفاً ، وإلّا لزم الخروج عن حدّ التعارض ، ومع تردّد الطريق والكاشف وعدم وجود مرجّح في البين اللازم منه الترجيح من غير مرجّح لا بدّ من التوقّف ، ضرورة أنّ الأخذ بالمجموع ممّا لا يمكن ، وبواحد ترجيح من غير مرجّح .
وهذا نظير ما لو أخبر مخبر واحد بخبرين متعارضين ، فكما أنّه لا يكون شيء من الخبرين هناك بكاشف ولا طريق ، كذلك لا يكون شيء من الخبرين هنا بكاشف ، كما لا يخفى .
ثانيهما : أنّ معنى حجّية الخبر إنّما هو عبارة عن صحّة احتجاج المولى به على العبد . ومن المعلوم أنّ ذلك إنّما هو مع عدم كون الأمارة مجهولة للعبد ، ضرورة أنّه لو كانت كذلك لا يبقى للمولى حقّ المؤاخذة والاعتراض ، فإذا كانت صلاة الجمعة واجبة واقعاً وكانت الأمارة الدالّة على ذلك غير واصلة إلى المكلّف ، بل كان الموجود عنده هو الأمارة الضعيفة الدالّة على التحريم ، لا يجوز للمولى المؤاخذة والاعتراض لأجل الترك ، ضرورة أنّ البيان الذي به يسدّ باب البراءة العقليّة الراجعة إلى عدم استحقاق العقوبة مع عدم وصول التكليف إنّما يكون المراد به هو البيان الواصل إلى المكلّف ، ومع الجهل به لا مخرج للمورد عن البراءة . هذا ، ومن الواضح أنّ مع ابتلاء البيان الواصل بمعارض مماثل لا يصحّ للمولى الاحتجاج أصلًا ، وهذا ممّا لا ينبغي الارتياب فيه .
معتمد الأصول — صفحة 380
مساهمون: السيد الخميني
ص٣٨٠