ثمّ إنّك عرفت أنّه لا فرق في عدم جريان البراءة في الأسباب والمحقّقات بين كونها عقليّة ، كما إذا أمر بقتل زيد مثلًا وتردّد محقّقه بين أن يكون ضربة أو ضربتين ، أو عاديّة ، كما إذا أمر بتنظيف المسجد وتردّد محصّله بين أن يكون مجرّد الكنس أو مع إضافة رشّ الماء ، وبين كونها شرعيّة كما إذا فرض أنّ المأمور به حقيقة في باب الغسل - مثلًا - هي الطهارة الحاصلة منه ، وتردّد أمر الغسل بين أن يكون الترتيب بين الأجزاء أو بين الجانبين - مثلًا - معتبراً فيه أم لا .
ولتوضيح عدم الجريان في الأسباب والمحصّلات الشرعيّة نقول : إنّ جعل الأسباب والمحصّلات الشرعيّة وكذا الأمور الاعتبارية العقلائية كالبيع ونحوه لا يكون معناه كون الأسباب مؤثّرة في حصول المسبّبات تكويناً ، بحيث لم يكن قبل تحقّق الأسباب شيء منها ، وبعد تحقّقها صارت موجودة في عالم التكوين ، وهذا واضح جدّاً .
وكذلك ليس معناه كون الأسباب بعد حصولها مؤثّرة في تحقّق الاعتبار إمّا من الشرع أو من العقلاء ، بحيث كان إيجاد « بعتُ » مثلًا والتكلّم بهذه اللفظة بقصد إنشاء البيع علّة مؤثّرة في تحقّق اعتبار العقلاء ، ضرورة أنّ لاعتبارهم مبادئ مخصوصة وأسباب معيّنة ، ولا يعقل أن يكون قول « بعت » مؤثّراً في نفوس العقلاء بحيث كانوا مجبورين بمجرّد صدوره من المنشئ في اعتبار البيع ، كما هو أوضح من أن يخفى .
بل التحقيق : أنّ العقلاء في الأزمنة المتقدّمة بعد ما رأوا توقّف معاشهم على مثل البيع وأحرزوا الاحتياج إليه اعتبروا ذلك على سبيل الكلّية ، فإذا تحقّق في الخارج بيع ، يتحقّق حينئذٍ موضوع اعتبار العقلاء بخروج المبيع عن ملك البائع وانتقاله إلى ملك المشتري ، وكذا الثمن ، لا أن يكون تحقّق البيع في الخارج
معتمد الأصول — صفحة 212
مساهمون: السيد الخميني
ص٢١٢