انعكس الأمر ، ويلحق كلّا منهما حال اختياره جميع لوازمه وأحكامه من التكليفيّة والوضعيّة .
والثاني : التخيير في مقام العمل ، فله أن يعمل بما شاء من الخبرين ويأخذ بمضمونه ، فلا يجوز له الإفتاء بتعيّن أحدهما ولو بعد اختياره ، إنّما يفتى بإثبات التوسعة في العمل .
أمّا الوجه الأوّل فالظّاهر فساد الالتزام به لوجوه ؛
منها : إنّا نقطع ببطلان أحد الخبرين المختلفين في محلّ الاختلاف ، ومخالفته لما أنزل اللّه سبحانه على رسوله وحكم به على خلقه ، فالحكم به في حقوق الناس جور وعدوان ، وفي حقوق اللّه سبحانه تحليل للحرام وتحريم للحلال ، فإذا دار الأمر فيه بين الأمرين امتنع تجويز الفتوى بكلّ منهما ، بل وجب الاجتناب عنهما من باب المقدمّة كالمشتبه بالمحصور ، ولذا قال عليه السّلام : « لا تعمل بواحد منهما » وأمر بالتوقّف والإرجاء .
ومنها : أنّ الحكم بتعيّن مدلول أحد الخبرين بمجرّد اختياره والإلزام بمقتضاه وترتيب آثاره ترجيح من غير مرجّح ، وإلزام بغير ملزم ، وراجع إلى تبعيّة حكم الشرع لاختيار المكلّف ، وجميع ما جاء في النهي عن القول والعمل بغير العلم والمنع من متابعة الرأي والهوى في أحكام اللّه تعالى يمنع عنه ، بل هو أشدّ من متابعة الرأي ، فإنّ تابع الرأي لا يتبعه إلّا بعد رجحانه في نظره ، وهذا يفتي ويحكم بمجرد الاقتراح .
ومنها : أنّ القول بالتخيير المذكور وإن اشتهر بين علماء الأصول إلّا أنّا لم نجد من فقهائنا من عمل به في الفروع ، فإنّ من تتبّع كلمات الأصحاب في جميع أبواب الفقه لا يكاد يقف على موضع يبتني حكمهم فيه على مجرّد الاقتراح ،
شرح هداية المسترشدين ( حجية الظن ) — صفحة 537
مساهمون: محمد باقر بن الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٥٣٧