بين وصفي العدالة والفسق في موضع الحاجة ( 1 ) من اعتبار هذا الشرط ؛ لأنّ الملكة المذكورة إن كانت حاصلة فهو العدل ، وإلّا فهو الفسق . وتوسّط مجهول الحال إنّما هو بين من علم فسقه أو عدالته ، ولا ريب أنّ تقدّم العلم بالوصف لا يدخل في حقيقته ، ووجوب التثبت في الآية متعلّق بنفس الوصف لا بما تقدّم العلم به منه ، ومقتضى ذلك إرادة البحث والتفحّص عن حصوله وعدمه .
ألا ترى : أنّ قول القائل : « أعط كلّ بالغ رشيد من هذه الجماعة - مثلا - درهما » ، يقتضي إرادة السؤال والفحص عمّن جمع هذين الوصفين ، لا الاقتصار على من سبق العلم باجتماعهما فيه .
ويؤيّد كون المراد من الآية هذا المعنى : أنّ قوله :
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ؛ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
( سورة الحجرات - 6 ) ، تعليل للأمر بالتثّبت ، اي كراهة أن تصيبوا . ومن البيّن : أنّ الوقوع في النّدم لظهور عدم صدق المخبر يحصل من قبول أخبار من له صفة الفسق في الواقع حيث لا حجر معها عن الكذب ، ولا مدخليّة لسبق العلم بحصولها في ذلك .
إذا عرفت هذا : ظهر لك . أنّه يصير مقتضى الآية حينئذ وجوب التثبّت عند خبر من له هذه الصفة في الواقع ونفس الأمر ؛ فيتوقّف القبول على العلم بانتفائها . وهو يقتضي بملاحظة نفي الواسطة اشتراط العدالة . وبهذا التحقيق يظهر بطلان القول بقبول رواية المجهول ؛ لأنّه مبنيّ على توسّط الجهالة بين الفسق والعدالة وقد تبيّن فساده ( 2 ) .
هامش
( 1 ) قوله : في موضع الحاجة .
أي بعيد العهد عن زمان التكليف كما هو الغالب في الرواة التي كان بحثنا عن روايتهم بخلاف حديث العهد كما سيأتي .
( 2 ) قوله : وقد تبيّن فساده .
لأنك عرفت انه واسطة بين معلوم العدالة ومعلوم الفسق لا بين العادل والفاسق الواقعيّين .