فلا يجري الاستصحاب في مواردها وهذا أمر مسلّم ، إنّما الكلام في وجه تقدّمها عليه ، وجه التسليم أنّ دليل حجيّة الأمارة ، مطلق من جميع الجهات غير مغيا بشيء ، بخلاف دليل حجّية الاستصحاب فانّه مغيا إلى حصول يقين مثله فعند ما قامت الأمارة على شيء ، فقد حصلت الغاية إمّا حقيقة ، أو تعبّداً .
وعلى كلّ تقدير ففي وجه التقديم احتمالات :
الأوّل : أن يكون تقديم الأمارة على الاستصحاب بتخصيص دليل الأمارة ، دليل الاستصحاب .
الثاني : أن يكون بالتوفيق العرفي أي أنّ العرف يجمع بينهما بالعمل بالاستصحاب فيما إذا لم يكن هناك أمارة .
الثالث : أن يكون تقديمها عليه من باب الورود .
الرابع : أن يكون التقدّم من باب الحكومة .
لا طريق إلى الاحتمال الأوّل والثاني ودار الأمر بين كون تقديمها عليه من باب الورود على ما ذهب إليه صاحب الكفاية ، أو من باب الحكومة كما ذهب إليه الشيخ الأعظم واختاره صاحب مصباح الأُصول .
أمّا أنّه لا طريق إلى الأوّل فلأنّ التخصيص عبارة عن التصرّف في المحمول مع حفظ الموضوع فإذا قال : أكرم العلماء ، ثم قال : لا تكرم العالم الفاسق ، فقد تصرّف في المحمول بإيجاد الضيق عليه ، بلا تصرّف في الموضوع فالعالم الفاسق مع الاعتراف بكونه عالماً وداخلًا في موضوع العام ، لا يجب إكرامه ، ومن المعلوم أنّ مثل هذا لا يجري في المقام ، لأنّ معنى تقديم الأمارة على الاستصحاب من باب التخصيص ، هو تجويز نقض اليقين بالشكّ في مورد قيامها مع أنّ التعليل الوارد في أدلّة الاستصحاب تعليل بالأمر الارتكازي الذي لا يقبل التخصيص .
وبالجملة : العمل بالأمارة أو البيّنة لو كان من قبيل نقض اليقين بالشكّ ،
المحصول في علم الاُصول — صفحة 236
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٣٦