تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحصول في علم الاُصول — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
فللفعل صورتان دنيوية وأُخروية وتظهر في كل ظرف حسب صورته المناسبة لظرفه ، وعلى ذلك فالقول بقبح العقاب بلا بيان ، لا يعالج تلك الصور السيّئة الظلمانية التي تعدّ من اللوازم القهرية . والجواب : أنّ تجسّم الأعمال وتجسّدها في الحياة الأُخروية إجمالًا أمر مفروغ عنه حسب الآيات القرآنية قال سبحانه : (
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
) ( آل عمران / 30 ) لكن المراد بتجسّم الأعمال المعنون بعنواني الإطاعة والعصيان ، لا مطلق الأعمال ، وارتكاب الشبهة البدئيّة غير معنون بالعصيان ، فلا يكون له وجود برزخي . والحاصل : أنّ مسألة ( تجسّم الأعمال ) مسألة قرآنية وحديثية ، وليس لتعيين حدودها طريق علمي قطعي ، سوى المصدرين وليس فيهما ما يدل على أنّ لكل عمل صورة مادّية في هذا العالم ، وصورة برزخية وأُخروية بعد الحياة وإنّما الوارد فيهما ، أنّ كلّ عمل يعدّ إطاعة أو عصياناً ، له صورة غير مادّية يعيش بها الانسان في البرزخ وربّما يتعدّى إلى الآخرة كما في قوله سبحانه : (
يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
) ( التوبة / 35 ) هذا في المعصية ، ونظيرها في الطاعة قوله سبحانه : (
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ
) ( الحديد / 12 ) والنور الذي يسعى بين أيديهم وأيمانهم إنّما هو الإيمان والطاعة المتجلّيان في الآخرة بصورة النور ، فقد جاءوا به في الدنيا بقرينة قوله سبحانه : (
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
) ( الحديد / 13 ) . وأمّا أنّ كلّ عمل صدر من الانسان له وجود برزخي وأُخروي وإن كان خارجاً عن دائرة الإطاعة والعصيان ، فلم يدلّ عليه دليل ، وارتكاب الشبهة البدوية ليس من الواجب والحرام بشيء .