أمّا الأوّل : فقوله سبحانه : (
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
) ( القمر / 17 و 22 و 32 ) وقال عزّ شأنه : (
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
) ( محمّد / 24 ) فحثّ المشركين على التدبّر فيه فلو كان الغرض تفهيم مطالبه بغيره لما كان للحث معنى ، فإذا كان المشرك قادراً على الاستهداء فكيف بمن صرف عمره في فهم القرآن الكريم ؟
إنّ القرآن يصف نفسه بأنّه هدى للناس ويقول : (
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ
) ( البقرة / 185 ) . إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في شأنه ، أفيمكن الهداية بلا فهم المعنى ؟
فإن قلت : إنّ الاستدلال بهذه الآيات على ردّ الأخباري مستلزم للدور ، إذ هو لا يقول بحجّية الكتاب حتّى في نفس الآيات ، فاثبات حجّية القرآن بنفس هذه الآيات فرع كون ظواهر خصوص هذه الآيات حجّة ، وهي متوقفة على حجّية ظواهر القرآن كلّها وهذا دور واضح .
قلت : إنّ إنكار حجّية مثل هذه الآيات مكابرة واضحة لا ينكرها إلّا الغبي والجاهل بتاريخ الإسلام والقرآن والسيرة النبوية ، فكان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقرأ هذه الآيات على المشركين وهم يسمعونها ويفهمون مفاهيمها وهم بين محبّ للإسلام ومعاند ، ومحارب . ولولا فهم معاني الآيات لما كان معنى لحبّهم وعنادهم ومحاربتهم .
وأمّا السنّة : فيكفي في ذلك حديث الثقلين ، حيث جعل كلّ واحد منهما حجّة مستقلة لا يفترقان ، يؤكّد كلّ واحد مضمون الآخر .
وأمّا أحاديث العترة الطاهرة فقد جعلت القرآن المرجع الأصيل لتشخيص الحديث الصحيح من الزائف ، وصرّحوا لأصحابهم أنّهم لا يقولون خلاف قول ربّهم « 1 » .
هامش
( 1 ) - الوسائل : ج 18 ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 1 و 10 و 11 وهكذا .