تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحصول في علم الاُصول — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
فإن قلت : إنّما يصح ذلك إذا فرض القرآن كلّه ظنّي الدلالة ، وأمّا إذا كان بعضه قطعياً فيكفي في ظهور إعجازه وسطوع برهانه . قلت : هذا إنّما يصحّ لو لم يتحدَّ القرآن بالكلّ مع أنّه تحدّى بكلّ الآيات والسور ، قال سبحانه : (
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
) ( البقرة / 23 ) والآية تصدق بكلّ سورة من سوره ، فيلزم التحدّي بكل سورة والسورة مؤلّفة من آيات كثيرة وقليلة ، فيلزم أن تكون الآيات واضحة الدلالة على المعنى ، حتّى يصحّ التحدّي ولو صحّ كونه ظنّي الدلالة فإنّما هو في مجال المراد الجديّ من المطلقات والعمومات ، لا الاستعمالي ، ومثلهما المجملات ولا يتوقف فهم الإعجاز والإذعان به على الوقوف على المراد الجدّي منها ، وأنّ دائرتها خاص أو عام ، مقيّد أو مطلق . فإن قلت : يكفي في ثبوت رسالته سائر معاجزه التي وصلت إلينا متواترة ، فإذا ثبتت نبوّته بها يكون قوله حجّة في تفسير كتابه وصحيفته . قلت : إنّ لازم ذلك عدم صحّة التحدّي بالكتاب أصلًا ، وهو مردود بنص الكتاب العزيز كيف وقد وصفه اللّه بقوله : (
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
) أي لا يحومه شك في شأن من شؤونه في كونه منزَّلًا من اللّه ، وفي معانيه ومفاهيمه ، قال الطبرسي : » إنّ الأسباب التي توجب الشك في الكلام من التلبيس والتعقيد والتناقض والدعاوى العارية من البرهان ، كلّها منتفية في كتاب اللّه تعالى « . « 1 » نعم : لا يحيط بكلّ ما للقرآن من الشؤون والحقائق غير المعصوم ، لكن الإحاطة به من جميع الجهات شيء ، ودرك علوّه وسموّه الذي يتوقف عليه الإعجاز أمر آخر . والذي يختص بالمعصوم هو الأوّل دون الثاني .
هامش
( 1 ) - مجمع البيان : ج 1 ص 36 ، ط صيدا .