من الحكمة يعطي بوضوح أنّ الأمرين لا للوجوب ولا للندب ، بل الأمران إرشاديّان لئلّا يقع الاختلاف بين المتداينين فيسدّ باب النزاع والجدال . قال سبحانه : (
ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ
) ( البقرة / 282 ) .
والأليف بالقرآن بالقراءة المقترنة بالتدبّر والحفظ المقارن بالإمعان ، يقف على آفاق سعة الدلالة فيه على مقاصده ولا يرى نفسه محتاجاً إلى اجراء هذه الأُصول التي تستفاد في المحاورات العرفية وهو من خصائص ذلك الكتاب ولأجله يقول سبحانه : (
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
) ( النحل / 89 ) فإذا كان تبياناً لكل شيء فهو تبيان لنفسه أيضاً .
ويعرف سعة دلالة القرآن بأُمور نذكر منها أمرين :
أ : أن يجمع الآيات الواردة حول موضوع في محل واحد ويستشهد بآية على أختها ، ويرفع إبهام واحدة بالأُخرى .
ب : الرجوع إلى الروايات التي استشهد بها الأئمّة ( عليهم السلام ) على مقاصدها لا استشهاداً تعبّدياً ، بل تعليمياً بحيث يقنع كل من نظر إلى الآية مجرداً عن الغرض وإن لم يكن معتقداً بإمامتهم « 1 » .
الثالث : إنّ ظواهر الكتاب لا تختلف عن سائر الظواهر وقد أثبتنا أنّ دلالة غيرها قطعية ، وأنّ ما يتطرق به من الشك في المراد مشترك بين الظاهر والنص ، وأنّ المراد قطعية دلالة الظواهر على المراد الاستعمالي دون الجدّي ، وكون المقصود
هامش
( 1 ) - وقد اشتدّ من شيخنا الأُستاذ الحثّ على حضّار بحثه في الدورة السابقة على قيامهم بجمع هذه الروايات التي يعلم من الوقوف بها كيفية الاستفادة من الآيات والبرهنة بها على الأحكام ، فقاموا بذلك فاجتمعت بذلك مذكّرات كثيرة فسلّمها إلى أحد الفضلاء ، وهو قد رتبها وصارت كتاباً مستقلًا أسماه ب » الكتاب عند النبي والآل « . وهو بعد غير مطبوع .