في التكليف في كلتا العبارتين مجرى للبراءة مع أنّه ليس كذلك مطلقاً ، فربّما يكون الشك في التكليف ولكن يجب الاحتياط ، كما إذا علم إجمالًا ، بأنّ هذا الفعل واجب أو ذاك الفعل حرام ، فيجب عليه الجمع بين فعل هذا وترك الآخر ، أو إذا وقف على أنّه إمّا أحد الفعلين واجب أو أحد الفعلين الآخرين حرام ، فيجب فعلهما وترك الآخرين ، مع أنّه من قبيل الشك في التكليف وذلك لأنّ المراد منه هو نوع التكليف وهو مجهول ، والعلم بالإلزام يعني أنّ هناك إلزاماً من الشارع إمّا متعلّق بالفعل أو بالترك ليس علماً بالتكليف بل علماً بجنسه المنتزع من العلم بتعلّق واحد من الوجوب والحرمة بفعله ، وهو ليس علماً به .
وقد وقف المحقّق النائيني على هذا الإشكال ، فأضاف في عبارته لفظة » بجنسه « وقال : إمّا أن لا يعلم بالتكليف أصلًا ولو بجنسه ، وإمّا أن يعلم . . . « 1 » .
كما أنّ المحقّق الخراساني صان بيانه عن توجّه هذا الإشكال ، فعبّر عن مجرى البراءة في تعليقته على الفرائد بقوله : » أن لا يكون حجّة ناهضة على التكليف في البين عقلًا أو نقلًا « وبذلك جعل التعريف مطرداً ، وذلك لأنّه قامت في مورد النقض حجّة عقلية على لزوم الاحتياط ، وهو العلم الإجمالي باللزوم ، وهو يكفي في الاشتغال .
وإن شئت قلت : إنّ مجرى البراءة هو الشك في التكليف لكن إذا لم يكن هناك دليل على لزوم رعاية غرض المولى المعلوم إجمالًا ، فإنّ المكلّف واقف على أنّ هنا غرضاً قطعياً للشارع يجب تحصيله وهو إمّا قائم بفعل هذا أو ترك هذا .
هامش
( 1 ) - فوائد الأُصول : ج 3 ، ص 4 .