3 النظرية المعروفة
إنّ الآيات القرآنية من حيث الدلالة على المقصود على قسمين ، قسم يكون المراد منه واضحاً والمعنى منه لائحاً وهو المحكم الذي يتضمّن المعارف الإلهية ، والأحكام الفرعية ، وغير ذلك من المفاهيم الأخلاقية والقصصية وقسم يكون المراد الواقعي منه غير واضح بدءاً بحيث يشتبه المراد منه بغيره ، والمقصود الحقيقي بغيره ، ولكن عندما أُضيف لوحظت مدلولها البدائي مع الآيات الأُخرى التي تصبح محكمة الدلالة ، واضحة المقصود لتبيّنت مآلها ومقاصدها ، وبما أنّ المحكمات أُمّ الكتاب ، يجب إرجاع المتشابهات إليها حتّى تفسّر بها ، ويرتفع الإبهام ويتعيّن المعنى المقصود .
وإنّما يعرض التشابه للآية لا لقصور في اللفظ أو في الهيئة التركيبية ، بل لأجل أنّ المعارف الإلهية إذا نزلت إلى سطوح الأفهام العادية ، وأُريد بيانها بالألفاظ الدارجة التي وضعت لبيان المعاني الحسيّة الملموسة ، عرض لها التشابه في المقاصد فإنّ الألفاظ الدارجة إنّما وضعت للاستعانة بها في إلقاء المقاصد العرفية الحسيّة فإلقاء المعارف العقلية العليا بهذه الوسيلة ، لا تنفكّ عن عروض التشابه لها . وهناك سبب آخر للتشابه وهو استخدام المجاز والاستعارة والكناية في حلبة البلاغة فتصير الآية متشابهة المراد لا بحسب المعنى المستعمل فيه ، بل حسب المعنى الجدّي منه فيؤخذ بالمستعمل فيه ، ويترك المقصد الجدّي الذي سيق لأجله الكلام لابتغاء الفتنة كما قال سبحانه .
ويستوضح ذلك بعدّة أمثلة :
1 إنّ اللّه سبحانه يحيط بالظالمين في الدنيا والآخرة إحاطة قيّوميّة ، فيملك الظالم بشراشر وجوده وخصوصياته ، ولا يغيب وجوده عنه ، فإذا بُيّن تلك المعرفة العليا بقوله سبحانه : (
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
) ( الفجر / 14 ) لأجل تقريب المعنى