وصف الجميع بالإحكام وذلك ، إنّ التقسيم الراجع إلى الإحكام والتشابه يكون من جهة الدلالة فآياته بين محكم المراد ومبيِّنه ، ومتشابه المراد وغير واضحه ، ووصف الجميع بالإحكام بملاك مضامينه ومعانيه فهو في الإتقان والرصانة بمكان لا تضادّ فيها ولا تناقض ولا مخالف للعقل وفطرة الإنسان ، فهو متقن المضمون ، محكم المعنى ، لا يوجد فيه خلل ولأجل هذا الإحكام أنزله تفصيلًا وقال : (
فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
) .
والحاصل أنّ التقسيم الراجع إلى الإحكام والتشابه يكون بالنسبة إلى دلالة آياته على المراد ، فآياته بين محكم المراد ومبيّنه ، وبين متشابه المراد وغير واضحه فهو من هذا الجانب ينقسم إلى قسمين . ولا مانع من أن يكون الكلام رصيناً متقناً من حيث المضمون والمحتوى كلّه ، وفي الوقت نفسه يكون غير محكم الدلالة ومتشابه المراد في قسم من الآيات ولكن بعد ما عرف المراد فهو رصين ومتقن .
وبذلك يعلم أيضاً أنّ هذا التقسيم أيضاً لا ينافي توصيف القرآن كلّه بالتشابه في قوله سبحانه : (
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
) ( الزمر / 23 ) لأنّ المراد من قوله : (
مُتَشابِهاً
) هو التماثل ويوضحه قوله : (
مَثانِيَ
) فالآيات القرآنية متماثلة المضمون يعضد بعضها بعضاً ، ويؤكّد بعضها بعضاً وهذا التشابه والتماثل من حيث المضمون ، غير التشابه من حيث الدلالة والإفادة التي هي الملاك في تقسيمه إلى المحكم والمتشابه .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى توضيح مفادهما .
وقد أورد المفسِّرون أقوالًا ربّما تتجاوز العشرة ونقل العلّامة الطباطبائي أقوالًا تناهز ستة عشر قولًا ونحن نكتفي بعرض
آراء ثلاثة حولهما
. فنقول :