بالتأخّر الرتبيّ . والمقام كذلك ، لأنّ تأخّر الإطاعة عن الأمر ناشئ من كونها بمنزلة أثر الأمر ومعلوله ، فتتأخر عن الأمر تأخّر المعلول عن علّته . وأمّا العصيان ، فليس فيه هذا الملاك ، إذ ليس الأمر مقتضياً لعصيان المكلّف ، حتى يتأخّر عنه ، فبقي كونه مصاحباً ومقارناً للإطاعة المتأخرة رتبة ، وقد عرفت أنّه لا يقتضي التأخّر الرتبي .
والتمسك بقانون المساواة في الرتب العقلية غير صحيح ، إذ هذا القانون إنّما هو راجع إلى الكمّيات المتّصلة كما في المسائل الهندسية فإذا كانت زاوية ( أ ) مساوية لزاوية ( ب ) ، وكانت زاوية ( ب ) مساوية لزاوية ( ج ) فيُنتج أنّ زاوية ( أ ) مساوية لزاوية ( ج ) قطعاً ، أو الكميّات المنفصلة ، كما لو كان زيد متأخّراً عن عمرو تأخّراً زمانياً ، وكان زيد وبكر من حيث الزمان متقارنين ، فيكون بكر أيضاً متأخّراً عن عمرو . وليس كذلك في التأخّر العقلي ، فإنّ الشيء لا يوصف به إلّا إذا كان فيه ملاك التأخّر ، ولأجل ذلك لا يكون ملازم المعلول متأخّراً عن العلّة ، ولا عدم المعلول متأخّراً عنها ، مع أنّ ملازم المعلول وجوداً وعدماً ، مع المعلول كذلك في رتبة واحدة .
نعم كان عليه قدَّس سرّه أن يسلك مسلكاً آخر وهو التمسك بالتقدّم الطبعي ( مكان التقدّم العلي والمعلولي وأنّ ملازم المعلول ، متأخّر عن العلّة مثل المعلول ) والمراد منه أن يكون للمتقدّم وجود ، ولا يكون للمتأخّر وجود ، ولا عكس . فالأمر يتحقّق بلا عصيان ، ولكن العصيان لا يتحقّق بلا موضوع ، وهو الأمر ، هذا . ولكن الكلام في المقام هو في التقدّم والتأخر الرتبيين .
وثانياً : أنّ التزاحم والتضادّ ليسا في المعيّة العقليّة حتى يرتفعا بالتأخّر الرتبي للأمر بالمهم . بل موردهما هو المعية الزمانية ، إذ الزمان الذي يكون الأمرُ بالأهم فيه فعليّاً ، يكون الأمر بالمهم فيه أيضاً باعثاً ، فاللازم رفع التضاد في ذلك الظرف ، لا رفع التضاد باختلاف الرتب .
المحصول في علم الاُصول — صفحة 54
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٤