بالعبادة الباطلة ، فإنّ المشركين وإن لم يؤمنوا بأنّ الأصنام والأوثان كإله للعالمين وخالقهم ، لكن كانوا يؤمنون بأنّ آلهتهم أرباب يدبّرون العالم كلّه أو بعضه ، وقد كان احتجاج إبراهيم على مشركي عصره في ذلك المصاف ، فقد كان البابليون يعتقدون بإله العالمين ومع ذلك كانوا يقولون بأنّ الكواكب والشمس والقمر أرباب يدبّرون ما تحتها من الأفلاك ومن فيها ، ولأجل ذلك ترى أنّ إبراهيم يصرّ على لفظ الربّ . قال سبحانه : (
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
) ( الأنعام / 76 ) .
وإن شئت قلت : إنّ العبادة عبارة عن الخضوع أمام من يقوم بالخلق والإحياء والرزق وغيرها من أفعاله سبحانه ، كإنزال المطر وشفاء المرضى وغفران الذنوب وقضاء الحوائج ، فلو كان المخضوع له يملك تلك الأفعال حقيقة فالعبادة حقّه ، وإن كان لا يملكها حقيقة ، فالخضوع أمامه عبادة له وظلم في حقّه سبحانه .
وعبدة الوثن وإن كانوا مؤمنين بإله العالم وخالقه ، لكنّهم كانوا على عقيدة أنّ اللّه سبحانه فوّض أمر التكوين كلّه أو بعضه إليهم ، وتقاعد هو عن ساحة التدبير ، وكانوا يردّدون حين الطواف والسعي قولهم : » لبّيك اللهمّ لبّيك ، لا شريك لك ، إلّا شريك هو لك ، تملكه وما ملك « .
هذا وأنّ اللّه سبحانه ينسب إلى اليهود والنصارى بأنّهم كانوا يتّخذون أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه . قال سبحانه : (
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
) ( التوبة / 31 ) .
ومن المعلوم أنّهم لم يكونوا مؤمنين بخالقيتهم بل وربوبيّتهم في التكوين ، وإنّما كانوا على عقيدة أنّ التشريع الذي هو فعل اللّه سبحانه ، بأيديهم فلهم