يتبين فيها التكليف للمكلف بنحو صحيح لو ارجعه إلى الأصول لزم اهمال التكاليف وتفويت معظمها ، ولو ارجعه إلى تحصيل العلم والاطمينان باي طريق حصل لزم تفويت المصالح بأكثر مما تفوت عند جعل الطريق من جهة غلبة خطاء هذا النحو من العلم ، فعند ذلك لا بد له بحسب الظاهر ومجرى العادة من جعل الطريق حفظا لها بقدر الميسور ، فما أصاب منه الواقع فهو ، وما أخطأ فلا ضير فيه بعد كون التفويت اللازم منه أقل مما يفوت بغير هذا النحو ، نعم فيما كان الطريق مؤدّيا إلى خلاف الواقع كما إذا كان الواجب واجبا أو حراما وكان مؤدّى الطريق جواز الترك أو الفعل فدليل التعبد حيث يتضمن الاذن في الترك أو الفعل كان الاذن بنفسه منافيا لفعلية الواقع ، فلا بد في مثله من الالتزام بعدم فعلية الواقع بحيث يوجب البعث والزجر ، لكنه لا ينافي المرتبة الأكيدة من الحب والبغض ، فان لها مرتبتين ، إحداهما : ما يتأسف من فوت التكليف نحو الذي يتصور عند العصيان وهذا كما في صورة القطع بالخلاف وكما فيما نحن فيه فإنه لا يوجب التأسف بشيء من جهة وجود الإرادة والكراهية غاية الأمر لا يمكن استيفاؤهما . الثانية : الصورة مع البعث والزجر الفعليين ، والذي يجب الالتزام به في المورد عدم الفعلية بالمرتبة الثانية لا الأولى ، ويشهد بذلك حسن الاحتياط مع قيام الطريق أيضا ، فتدبر .
واما الأصول الغير الناظرة إلى الواقع كأصالة الإباحة الشرعية فحيث ليست لادراك الواقع لا بد وأن تكون فيه مصلحة غير المصالح الواقعية ، وربما تكون هي رفع العسر والحرج من دون ان يكون في مؤدّاها مصلحة ، بل هي انما تكون في نفس الجعل والاذن في الاقدام والاقتحام ، ويشهد بذلك حسن الاحتياط في مواردها لو أراد المكلف تحميل العسر على نفسه . فان حسن الاحتياط المقطوع به كاشف عن وجود المصلحة والمفسدة والحب والبغض في مؤدّيات الأحكام الواقعية وعدم وجودها في مؤدّيات الأصول . نعم لما كان استيفاؤها مزاحمة لجهة أخرى من لزوم المشقة والعسر والحرج ألجأ ذلك الشارع إلى جعلها صبرا على المكروه واغماضا عن تلك المصالح من جهة التزاحم . وبذلك يتضح وجه الجمع بينها وبين الأحكام الواقعية فتدبر .
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 91
مساهمون: المحقق الداماد
ص٩١