كذلك كان غير ساقط بعد تعسّره ، ومعناه انه كما كان الجري العملي اتيانه ثابتا قبل كان ثابتا بعد أيضا ، وهذا خبر في معنى الانشاء فيظهر في الوجوب مثل قوله عليه السّلام : « المؤمنون عند شروطهم » « 1 » بمعنى انه يجب ان يكونوا عند شروطهم ، فمعنى الخبر انه يجب ان يكون الجري العملي على اتيان الميسور وباقيا بعد تعسر غيره ، وعلى هذا الاحتمال يتم الاستدلال ( مع قطع النظر عما نشير اليه ان شاء اللّه من أن هذا الخبر وما يتلوه انما ورد موعظة وارشادا ) .
ولا مجال لان يقال : ظهور الطلب المعبّر عنه بلسان الاخبار في الوجوب مسلّم إلّا انه يعارض ظهور اطلاق الميسور في شموله للواجب والمندوب ، فيدور الامر بين رفع اليد عن ظاهر الطلب وبين رفع اليد عن ظاهر اطلاق الميسور ، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر فيسقط الرواية عن قابلية الاستدلال .
فإنه يقال : لا اشكال في عدم شمول الميسور للأفعال المباحة والمكروهة والمحرمة ، وليس ذلك إلّا لان قوله عليه السّلام « الميسور لا يسقط بالمعسور » « 2 » ترغيب وتحريص نحو اتيان الميسور ، فكما ان ذلك قرينة على عدم شمول الميسور لما ذكر ، فكذلك ظهور الطلب في الوجوب قرينة على عدم شموله للمندوب ، نعم يجري الحكم فيه بتنقيح المناط « 3 » .
الثالث : ان يكون الحكم مترتبا على نفس الميسور ، وكان الاخبار بعدم سقوط الميسور بالمعسور ادعاء وكناية عن الاخبار بعدم سقوط آثاره ، كما في قول القائل :
لا رجل في الدار بمعنى انه ليس من كان له آثار الرجولية في الدار ، وبهذا التقريب أيضا يتم الاستدلال ( مع قطع النظر عما نشير اليه ، فتأمل ) .
ومن بعض ما ذكرناه تعرف وجه الاستدلال بالجملة الثانية اعني قوله « ما لا يدرك كله لا يترك كله » « 4 » وتقريبه ان قوله : لا يترك كله ، اما انشاء أو خبر في معنى الانشاء ، وعلى كلا التقديرين يكون معنى الخبر ان ما لا يدرك كله من الافعال المتعددة المستقلة أو
هامش
( 1 ) . التهذيب ج 7 ص 371 الباب 31 ؛ الاستبصار ج 3 ص 232 الباب 142 ؛ الوسائل ج 21 ص 276 .
( 2 ) . بحار الأنوار ج 102 ص 168 .
( 3 ) . أقول في هذا الجواب تأمل واشكال .
( 4 ) . بحار الأنوار ج 56 ص 283 ؛ عوالي اللئالي ج 4 ص 58 .