لا يقال : لا يمكن الاستدلال بهذه الاخبار على وجوب الاحتياط عند المشتبهات مطلقا ، ضرورة ان المستفاد منها ان الحكم بالوقوف انما هو لأجل الفرار عن العقاب المحتمل لو صادف الماتى به الواقع ، حيث إن عدمه يلازم معرضية النفس للعقاب ، وحيث إن اللازم من تعليل حكم بشيء تقدمه على ذلك الحكم كما في قولك لا تشرب الخمر لأنه مسكر أو قولك ترك شرب الخمر خير من الابتلاء بالسكر يلزم تطرق احتمال العقاب ومعرضية النفس له مع قطع النظر عن حكم الشارع بوجوب التوقف ومتقدما عليه ، وحينئذ لا يعقل ان يكون الحكم الذي جاء من قبل الهلكة ومتأخرا عنه منشأ لثبوتها . وعلى هذا يختص الاخبار بالشبهات التي قامت الحجة في موردها على الواقع كالشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي والشبهات قبل الفحص ونحوهما ، حيث إنه يتمشى احتمال العقاب في هذه الموارد مع قطع النظر عن حكم الشارع فيها بوجوب التوقف ، واما في غيرها من الشبهات فلا مهلكة بعد حكم العقل والنقل بالبراءة ، وحينئذ يكون حكم الشارع به ارشاديا محضا لاستقلال العقل بوجوب الاحتياط فيما يحتمل العقاب .
فإنه يقال : إذا تعلق حكم بطبيعة من الطبائع معلّلا بعلة مع كون المتكلم في مقام البيان فالظاهر جريان الحكم في جميع افراد تلك الطبيعة وسراية العلة فيه ، وإذا نقول على ما اخترناه من أن مقتضى حكم العقل في جميع الشبهات هو الاحتياط وأنّه ليس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان عين واثر عند المتأمل ، فلا شك في صيرورة الأوامر الدالة على وجوب التوقف ارشاديا محضا لورودها على طبق حكم العقل المستقل . وعلى ما اختاره الأصوليون من أن مقتضى القاعدة في الشبهات بعد الفحص الغير المقرونة بالعلم هو البراءة فلا اشكال في ان مقتضى الجمع بين القاعدة والاطلاق في هذه الأخبار ان يستكشف من هذه الأخبار ان الشارع قد أوجب الاحتياط في جميع الشبهات .
لا يقال : ايجاب الاحتياط ان كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع فهو قبيح ، لأنه مجهول والعقل المستقل يحكم بقبح عقاب الجاهل القاصر وان كان نفسيا ، فالعقاب على مخالفته لا مخالفة الواقع وهو خلاف ظاهر الاخبار بل صريحه .
فإنه يقال : قد حقق في محله ان ايجاب الاحتياط طريقي محض ، وهو مما يصح ان يحتج به ، ومما يكون بيانا على الواقعيات كما هو الحال في أوامر الطرق والامارات .
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 241
مساهمون: المحقق الداماد
ص٢٤١