كان النهى عنها دالا علي الحرمة الذاتية إذ بدونها لا يكاد يكون فعلها مبعدا الا من جهة التشريع ، وقد أشار إلى هذا الاشكال نفسه فقال ما لفظه : لا يقال هذا لو كان النهى عنها دالا علي الحرمة الذاتية ولا يكاد يتصف بها العبادة ، لعدم الحرمة بدون قصد القربة وعدم القدرة عليها مع قصد القربة بها الا تشريعا ، ومعه تكون محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة ، ومعه لا يتصف بحرمة أخرى ، لامتناع اجتماع المثلين كالضدين .
ثم أجاب عنه بأمور ثلاثة :
الأول : أنّه لا ضير باتصاف ما يقع عبادة لو كان مأمورا بها بالحرمة الذاتية مثلا صوم يوم العيدين كان عبادة منهيا عنها ، بمعنى أنّه لو امر به كان عبادة لا يسقط الامر به إلّا إذا اتى به بقصد القربة كصوم ساير الأيام .
الثاني : أنّه لا ضير في اتصافه بالحرمة الذاتية مع التشريعية بناء علي ان الفعل لا يتصف في الحقيقة بهذه الحرمة ، بل المتصف بها فعل القلب ، كما هو الحال في التجري والانقياد .
الثالث : أنّه لو لم يكن النهى دالا علي الحرمة الذاتية لكان دالا علي الفساد لدلالته علي التشريعية منها ، فإنّه معها لا يكاد يكون مأمورا به وان عمه اطلاق دليل الامر أو عمومه . قال : نعم لو لم يكن النهى عنها الا عرضا كما إذا نهى عنها فيما كانت ضد الواجب مثلا لا يكون مقتضيا للفساد ، بناء علي عدم الاقتضاء للامر بالشئ للنهي عن الضد الا عرضا فيخصص به أو يقيد انتهى .
أقول : لا يخفى ما في كل من هذه الأمور خصوصا الأول والثالث .
امّا الأول : فلان الالتزام بكون المحرم الذاتي العبادة الغير الفعلية اي الّتي لو كانت مأمورا بها كانت عبادة لا يسقط الامر بها إلّا إذا اتى بقصد القربة ، خلاف ما يظهر منهم في مثل صوم يوم العيدين والصلاة أيام الاقراء ، فان ما افاده يرجع في الحقيقة إلى تعلق النهى بمجرد الامساك والصلاة الصرفة لكونهما عبادتين علي وجه التعليق ، وهذا مما لا يظن بأحد الافتاء به ، فإنّه ما قال فقيه بحرمة الصلاة علي الحائض علي وجه الاطلاق
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 371
مساهمون: المحقق الداماد
ص٣٧١