تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
الوجوب والحرمة ، وذلك لا يتصوّر الا عند عدم وجود المندوحة كما إذا فرض دوران امر المكلف بين الغصب والصلاة ، فإنّه في هذا المورد لا بدّ أولا من ملاحظة أقوى الملاكين فيقدم علي أضعفهما وان كان الدليل عليه أقوى من حيث الدلالة أو السند ، وإذا لم يحرز الغالب منهما كان بين الخطابين تعارض لا محالة ، إذا كان كل منهما متكفلا لحكم فعلى ، فلا بد حينئذ من تقديم ما هو الأقوى منهما دلالة أو سندا ، وبطريق الإنّ يحرز به ان مدلوله أقوى مقتضيا . وأمّا الترجيح من حيث اقوائية الدلالة فمورده فيما إذا كان كل منهما متكفلا لحكم فعلى ولم يحرز الملاكين ، فعلى الاجتماع يحمل كلاهما علي حكم فعلى ويستكشف عن وجود الملاكين ، وعلي الامتناع يؤخذ بما هو أقوى دلالة ويكون مقيدا للآخر فيكون نتيجته عدم احراز الملاك في الآخر ، فتدبر جيدا . وبالجملة لا بدّ عند ذلك في ترجيح أحد الحكمين علي الآخر من مرجح ، وقد ذكروا لترجيح النهى وجوها : منها : أنّه أقوى دلالة لاستلزامه انتفاء جميع الأفراد بخلاف الامر . وربما يورد عليه بان دلالته علي العموم والاستيعاب ظاهر ، لكن العموم المستفاد منه انما هو بحسب ما يراد من متعلقه فيختلف سعة وضيقا ، فلا يكاد يدل علي استيعاب جميع الأفراد إلّا إذا أريد منه الطبيعة مطلقة وبلا قيد ، ولا يكاد يستظهر ذلك مع عدم دلالته عليه بالخصوص إلّا بالاطلاق وقرينة الحكمة ، بحيث لو لم يكن قرينتها بان يكون الاطلاق في غير مقام البيان لم يكد يستفاد استيعاب افراد الطبيعة ، فبالأخرة لا يكون دلالة النهى علي استيعاب جميع افراد الطبيعة إلّا بالاطلاق فيشترك مع الامر ، ولا وجه لتقدمه عليه . أقول : لا يخفى ان الألفاظ الدالة علي الاستيعاب والعموم مثل « كل » إذا دخلت علي الألفاظ الموضوعة للطبائع تكون ظاهرة في استيعاب افراد ما كان اللفظ ظاهرا فيه لا افراد ما يراد من المدخول ، إذ على هذا كان فائدتها مجرد التأكيد وهو خلاف المتبادر منها ، فالظاهر كونها موضوعة للدلالة علي استيعاب معنى مدخولها من غير حاجة حينئذ إلى ملاحظة اطلاق مدخوله وقرينة الحكمة ، بل يكفى إرادة ما هو معناه من الطبيعة المهملة ولا بشرط في دلالته علي الاستيعاب .