إذا ترك المكلف العبادة من رأس بداعي القربة أو انطباق العنوان عليه اتى بأفضل الفردين من المستحب التخييري ، وهذا غير جار في المقام ، لان التخيير ليس بين فعل الصلاة مثلا في الحمام وتركها علي وجه الاطلاق ، بل التخيير انما هو بين فعلها فيه وتركها فيه مع اتيانها في غيره ، والأرجح انما هو الترك فيه المجتمع مع فعلها في غير الحمام فتدبر .
وأمّا ثانيا فان القول بان النهى لا محالة يكون مسببا عن حصول منقصة في الطبيعة المأمور بها مما لم يقم عليه برهان ، بل ربما ينكره الوجدان في العرفيات . وما اشتهر في الألسنة من أن النهى في العبادات بمعنى انها أقل ثوابا فاقد الدليل ومناف للاعتبار ، فان من تعلق ارادته بشرب طبيعة الماء ولكن كان تخصص مراده بخصوصية مكروها عنده مثل كون الماء في الظرف الكذائي أو بصفة كذائية فامر عبده باتيان الماء ونهاه بالنهى التنزيهي عن ايقاعه في الظرف الكذائي أو عن الاتيان بالماء الكذائي ، فلا ريب في أنّه إذا أوجد عبده الماء متخصصا بالخصوصية الّتي كانت مكروهة عنده ونهى عنه تنزيها لم يرد نقصا في المصلحة الالزامية القائمة بشرب الماء ، بل انما أورد مفسدة غير الزامية علي مولاه الّتي بملاكها كان يكره تخصص الطبيعة بتلك الخصوصية ونهى عنه . وكذلك الكلام في الصلاة في الحمام أو في المقابر أو في مقابل بعض الأشياء ، فان الصلاة بما هي لما كانت مكروهة أصلا بل هي واجبة مشتملة علي المصلحة الالزامية الموجبة لارادتها علي وجه الالزام والجزم والامر بها علي نحو الوجوب ، وكذا الكون في الحمام أو في المقابر علي تأمل فيها أو مقابل بعض الأشياء ، فإنها ليست مكروهة بل ربما كانت راجحة ، فالمكروه ايقاع الصلاة متخصصة بخصوصية كونها في الحمام أو في مقابل النار مثلا ، وليس معنى كراهية ذلك ان المصلحة الكامنة في الصلوات الموجودة بتلك الخصوصيات انقص من المصلحة الكامنة في أصل طبيعة الصلاة ، بل الصلاة فيها كالصلاة في غيرها مشتملة علي مصلحة الطبيعة من دون فرق وتفاوت أصلا ، ولكنها بملاحظة تلك الخصوصيات وبالإضافة إليها كانت فيها جهة مفسدة ولأجلها صارت مكروهة ، فايقاعها متخصصة بها وان أوجب وصول المولى إلى غرضه الموجود في أصل الطبيعة واستيفائه للمصلحة الالزامية لكنه أورد عليه مفسدة غير الزامية الّتي كانت في ايقاعها كذلك وصارت منشأ
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 324
مساهمون: المحقق الداماد
ص٣٢٤