بنفسه محرما أزيد من أصل التصرف في المكان المغصوب ، ولولا ذلك لا شكل الحكم في مقامات لا يلتزم به فيها أحد ، فراجع وتدبر .
ولقد تحصل من جميع ما ذكرناه ان مقتضى القاعدة الأولية في القسم الثالث عدم الفرق بين الجهل والعلم ولا بين صورة العذر وعدمه ، خلافا لما عليه المشهور علي ما ينسب إليهم حيث فرقوا بين موارد العذر وغيرها . وقد علمت أن هذا التفصيل انما يصح في القسم الثاني في الجملة ، وأمّا في القسم الثالث فالعبادة تقع صحيحة علي كل حال .
تنبيهان
بقي أمران ، الأول : ان ما ذكر من صحة العبادة انما هو علي فرض وجود الملاك في الفرد المجمع ، وهو فرع احرازه ، فلو لم يحرز لم يكن موقع للقول بالصحة مطلقا . ومن اجل ذلك ربما يقع الكلام في أنّه بعد ما كان الامر مقيدا بغير مورد النهى كما هو نتيجة القول بالامتناع فبأي طريق يستكشف وجود الملاك في المجمع ، فان الامر هو الكاشف لوجود الملاك والمصلحة من جهة عدم صدوره من الحكيم في مورد ليس فيه مصلحة أصلا كما هو مذهب العدلية وهو منتف في المجمع علي المفروض ولا كاشف للملاك غيره ، ومن الواضح ان انتفاء الامر في مورد كما يمكن ان يكون لوجود المانع مع كون جهات المصلحة والملاك تامة كذلك يمكن كونه لانتفاء الملاك من رأس ، فلا بد في القول بالصحة من اثبات ان الانتفاء انما يكون للمانع . وبالجملة يقع الاحتياج بناء علي القول بالامتناع إلى دليل يكشف وجود الملاك .
والتحقيق في الجواب ان هذا الباب وباب تزاحم الواجبين أحدهما موسع والآخر مضيق وكلاهما مشتركان في ورود هذا الاشكال والجواب ، فبما أجيب عنه في ذلك الباب يجاب عنه هنا حرفا بحرف ، وقد تقدم هناك ان الامر المتعلق بالطبيعة من دون تقييدها في لسان الدليل بقيد كان مقتضاه لولا الجهات الأخر حصول الامتثال باي فرد من افراد الطبيعة ووجود الملاك في كل منها ، فلو وقع المزاحمة في بعض افرادها مع واجب آخر يحكم العقل بالتقييد من جهة استقلاله علي وجوب تحصيل مرادات المولى مع الامكان ،