ووجه الثاني : أنّ المعذوريّة للقاطع المخطئ من باب عدم البيان ، ومن المعلوم عدم البيان حين القطع ؛ والحكم بعدم المعذوريّة على تقدير الخطأ لا ينطبق على قطعه حال القطع ، فلا يمكن أن يكون بياناً له حتّى قبل القطع بالنسبة إلى حال القطع ، إلّا أن يقال : إنّ إمكان الانطباق واحتماله لديه قبل القطع كافٍ في كون ذلك النهي بياناً ، كالتكليف الاحتياطيّ في مهامّ الأمور ، وهو الأقوى .
وأمّا الثاني ( أي حرمة تقليده لغيره )
فموضوعها القاطع بالحكم الفعليّ أو من يتمكّن بحسب ما حصل له من العلوم من القطع بذلك ، وهي الّتي نسبها إلى المشهور المحقّق الأصفهانيّ في تعليقه على الكفاية ، قال قدس سره : خلافاً للسيّد المجاهد في المناهل « 1 » .
والوجه فيه : عدمُ شمول إطلاقات جواز التقليد له وعدمُ كونه مشمولًا للسيرة العقلائيّة ، خصوصاً بناءً على كون ملاكها الانسداد . نعم ، لو عرضت له مسألة في حال عدم التمكّن من الاستخراج من الكتاب والسنّة ( من جهة عدم تهيّؤ الأسباب ) ولم يتمكّن من الاحتياط أو كان الاحتياط عليه حرجيّاً يمكن أن يقال بشمول الدليل اللفظيّ والعقليّ له ، مع إمكان القول بجريان البراءة في حقّه أو التخيير إذا كان الأمر دائراً بين المحذورين .
وتمام الكلام في ذلك أيضاً موكول إلى بيان أدلّة التقليد والتعمّق فيها .
وأمّا الثالث ( أي جواز تقليده أو وجوبه ) فما يستدلّ عليه أمور :
الأوّل : حكم العقل برجوع الجاهل إلى العالم بالفطرة والبداهة أو سيرة العقلاء ؛
لكنّ القدر المسلّم من ذلك أنّه من باب الانسداد ، لكون الاحتياط ممّا يتعسّر بل يتعذّر على الكلّ ، والبراءة عن جميع التكاليف مخالفة للضرورة ، ومن المعلوم أنّ حكم المجتهد العادل أقرب الطرق .
هامش
( 1 ) نهاية الدراية : ج 5 و 6 ص 400 .