لكنّه خلاف ظاهر الدليل ، فإنّ متعلّق الحجّيّة كلّ فرد من الخبر المتّصف باحتمال الصدق مثلًا ، لا الأعمّ منه ومن أحد الفردين .
ثانيهما : أن يقال : إنّ مقتضى إطلاق دليل الحجّيّة لكلّ فرد من الخبرين هو حجّيّة كلّ واحد من الخبرين
ولو مع الأخذ بالآخر ، وهو معلوم البطلان ، فيقيّد بمقدار لا يقتضي التنافي ، وهو التقييد بفرض ترك الآخر ؛ فمقتضى الدليل حينئذٍ هو الأخذ بكلّ واحد من الفردين عند ترك الأخذ بالآخر . وهذا ممّا لا إشكال فيه من حيث التنافي والتعارض .
إن قلت : التخيير بهذا المعنى مستلزم لعدمه في فرض ترك كلّ واحد من مؤدّى الدليلين ، لأنّ شرط وجوب العمل بكلّ منهما حاصل فيلزم منه وجوب العمل بهما .
قلت : إذا كان شاملًا لفرض ترك أحدهما والعمل بالآخر لا مطلقاً بل على تقدير الأمر به من دون لزوم المحذور فيحكم بالتخيير في صورة العصيان على تقدير الأمر ، وذلك لعدم دخالة الإطاعة والعصيان في الأمر قطعاً ، والتخيير بالمعنى الصحيح ثابت بالضرورة . وقد مرّ في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب بيان ذلك .
إن قلت : مقتضى كون مفاد إطلاق دليل الحجّيّة في المقام التخيير ، فلا بدّ أن يكون ذلك أيضاً مقتضى دليل الأصل في أطراف العلم الإجماليّ .
قلت : الفرق بينهما ما مرّ في بحث العلم الإجماليّ من أنّ التخيير في الأطراف خلاف المعلوم بالإجمال ، لاستلزامه الإذن في كلّ من الطرفين ، بخلاف مقام التعارض ، فإنّ قوامه ليس بالعلم بأحد التكليفين ، فإنّه لو علم بعدم وجوب الظهر والجمعة معاً يقع التعارض بين ما يدلّ على وجوب الظهر وما يدلّ على وجوب الجمعة ولو لم يعلم بوجوب أحد الأمرين ، فالتخيير في الحجّة ليس مستلزماً للإذن في المعلوم بالإجمال ، بخلاف التخيير في أطراف العلم . ومن ذلك يظهر عدم صحّة التخيير لو كان التكليف المعيّن معلوماً بالإجمال .