ظاهر لمن تدبّر في ما ذكرناه سابقاً .
الثاني : أن يكون التعارض للعلم بانتقاض الحالة السابقة في أحد الاستصحابين ولكن إن اخذ بمفاد أحد الاستصحابين يرفع الشكّ عن الآخر بالنسبة إلى الحكم الظاهريّ دون الآخر ، كما لو علم نجاسة ثوب - مثلًا - ثمّ غسل بالماء المستصحب طهارته ، فإنّ في المقام اصولًا ثلاثة : أصل بقاء نجاسة الثوب ، وأصالة عدم الغسل بالماء الطاهر ، واستصحاب طهارة الماء . ومقتضى استصحاب طهارة الماء هو الحكم بتحقّق غسل الثوب بالماء الطاهر ، لأنّ الغَسل حاصل بالوجدان وكونَ الماء طاهراً ثابت بالأصل . ويترتّب على ذلك طهارة الثوب شرعاً ، لأنّ من آثار طهارة الماء تطهيرَ الثوب المغسول به ، لكن استصحاب نجاسة الثوب لا يحكم بعدم طهارة الماء ، إذ ليس من آثاره ذلك .
وذكروا في وجه تقدّم الاستصحاب السببيّ على المسببيّ وجوهاً .
ولكنّ الطريق المستقيم المتقن هو أن يقدّم الأصل السببيّ على المسبّبيّ بمقتضى صحيحي زرارة « 1 » الواردين في الطهارة الحدثيّة والخبثيّة ، فإنّ مقتضى استصحاب بقاء التكليف واستصحاب عدم الإتيان بالصلاة الواجدة للطهارة الحدثيّة أو الخبثيّة هو عدم الاكتفاء بالطهارة الاستصحابيّة للتعارض ؛ وقد حكم في الحديثين بالطهارة لاستصحاب الطهارة ، ومقتضى التمسّك بالتعليل أنّه ليس ذلك من باب التعبّد وأنّه مقتضى قاعدة البقاء على اليقين .
بل يدلّ على ما قلناه خبر عبد الله بن سنان المتقدّم « 2 » أي قوله : « فإنّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه نجّسه » ، فإنّه لولا تقدّم الأصل السببيّ على المسببيّ لكان مقتضى الأصل عدمَ صحّة الصلاة فيه وبقاءَ التكليف بالصلاة بعد ذلك ، ومن المعلوم أنّ المقصود معاملة الطهارة مع الثوب بالصلاة فيه .
هامش
( 1 ) المتقدّمين في ص 7 و 14 .
( 2 ) في ص 36 .