شرح
ولكن دقيق النظر يقتضي خلافه وأنّ التقسيم المذكور في كلام أستاذه صحيح ، فإنّ المقصود من تعلّق النهي بالموجَد أن لا يكون للانتساب إلى الموجِد دخلٌ في المبغوضيّة ، فالمبغوض نفس وجود الشيء ، ومبغوضيّة الانتساب من باب ملازمة الوجود للانتساب إن قلنا بالسراية ، وإلّا فلا يكون مبغوضاً .
ولا يبعد أن يكون من هذا القبيل وجود النجاسة في المسجد ووجود المشرك في المسجد الحرام مثلًا ، فيكون من أوجد النجاسة في المسجد كمن رآها ولم يزلها ، إذ بعد عدم دخالة الانتساب ومبغوضيّة أصل الوجود لا فرق بين الصورتين .
وقد يكون متعلّق النهي هو الانتساب من دون أن يكون أصل وجوده مبغوضاً .
ولا يبعد أن يكون إتلاف المال المحترم من هذا القبيل ، فإنّ المبغوض إتلاف مال الغير ، وأمّا لزوم حفظه عن التلف فغير واضح بل لعلّ عدمه واضح ؛ نعم ، هو إحسان بالنسبة إلى صاحبه . ولعلّ من هذا القبيل حرمة الإسراف ، فإنّ لزوم الحفظ عنه من دون أن يكون مستنداً إليه غير واضح .
وقد يجتمع الأمران فيكون الوجود والإيجاد - الّذي هو الانتساب - كلاهما مبغوضان ، كما في النفس المحترمة ، فإنّ حفظها عن التلف واجب كما أنّ قتلها حرام ، فيجتمع الأمران .
وهذا التقسيم جارٍ في جانب الأمر أيضاً :
فقد يكون المطلوب نفس الوجود من دون مدخليّة للانتساب ، كما لا يبعد أن تكون مواراة الميّت في الأرض من هذا القبيل .
وقد يكون الواجب هو الانتساب من دون مدخليّة لأصل الوجود ، كما في إنفاق الزوجة ، فإنّ وجود المخارج للزوجة على طبق شؤونها من المسكن والخادم وغير ذلك لا يكون مورداً للمحبوبيّة اللزوميّة لكنّه على فرض الوجود لا بدّ أن يستند ذلك إلى الزوج .
وقد يجتمع الأمران ، كما لو أوصى الميّت أن يدفنه بنفسه أحد من أوليائه أو غيرهم .
إن قلت : كيف يجتمع ما ذكرت مع حديث أنّ الإيجاد والوجود متّحدان بالذات ومتغايران بالاعتبار .
قلت : هذا نظير أن يقال : إنّ الإنسان والضاحك متّحدان بالذات ومتغايران بالاعتبار ، فليس معنى ذلك أنّ الضحك عين الإنسانيّة . وفي هذا المقام يقال : إنّ الإيجاد هو الوجود المنتسب إلى العلّة وهو عين الوجود ، لا أنّ انتسابه إلى العلّة عين وجوده .
إن قلت : إنّ النسبة أمر اعتباريّ لا يمكن أن يكون متعلّقاً للنهي .
قلت أوّلًا : نمنع كونها اعتباريّةً ، بل النسبة إلى العلّة كسائر النسب والإضافات من العوارض الموجودة بوجود موضوعاتها .
وثانياً : ليس تلك من الاعتباريّات الصرفة كالملكيّة والزوجيّة بناءً على مسلك القوم ، بل من قبيل الاعتباريّات النفس الأمريّة الّتي هي مورد للاعتبار ولو لم يعتبرها معتبر ، كالإمكان .
وثالثاً : لا بأس بتعلّق الأمر والنهي بالأمر الاعتباريّ المحض ، كالأمر بالعتق والوصيّة وغير ذلك . وحينئذٍ