تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
وبذلك يتّضح صحّة الترتّب في جميع موارد المتزاحمين المترجّح أحدهما على الآخر بالذات أو بالعرض ، من دون لزوم الالتزام بالأمر بالضدّين تعييناً في آنٍ واحد ، بل هنا أمران أحدهما تعلّق بأحد الضدّين تخييراً والثاني تعلّق بخصوص الأهمّ لا غير ، ونتيجة ذلك هي الحكم بوجوب امتثال الأهمّ ووجوب الإتيان بالمهمّ على تقدير ترك الأهمّ ، وليس الوجوب الثاني وجوباً تعيينيّاً بل هو عبارة أخرى عن وجوب أحدهما ، فالحكم بالترتّب بناءً على ذلك لا يتوقّف على لزوم الالتزام بالأمر بالضدّين على وجه التعيين ولا يستأهل ما رموه من السهام الفاتكة . ومنه يظهر الجواب عن شبهة تعدّد العقاب أيضاً على النحو الواضح كما سيأتي إنشاء اللَّه تعالى . ثمّ لا يخفى أنّ الترتّب في الضدّين المتزاحمين اللذين يكون الملاك فيهما موجوداً يكون بنحو التخيير ، لوضوح عدم تقيّد ملاك التخيير القائم بأحدهما بترجّح الملاك في الواحد المعيّن منهما ، فأحد الطلبين متعلّق بأحدهما غير المعيّن ، والآخر متعلّق بالمعيّن وهو المشتمل على الملاك الأقوى ، ولا وجه في مثله لتعلّق خطاب تعيينيّ بالمهمّ على تقدير ترك الأهمّ ، لعدم الملاك لذلك كما لا يخفى ، فتأمّل . نعم ، لا مناص عن الالتزام بالترتّب التعيينيّ في ما إذا لم يكن الملاك في أحد الضدّين موجوداً إلّا على تقدير ترك الضدّ الآخر ، كما في الصوم والسفر ، فإنّه إذا كان السفر واجباً للحجّ أو النذر ومثله فإنّ السفر والصوم موردان للأمر إلّا أنّ الصوم متعلّق له على تقدير ترك السفر وليس واجداً للملاك إلّا على التقدير المذكور ، وفي مثله لا معنى لوجود الطلب التخييريّ بأن كان الواجب على المكلّف إمّا الصوم وإمّا السفر ، لعدم الملاك في الصوم إلّا على تقدير ترك السفر ، فلا بدّ من الالتزام بتعلّق أمرين تعيينيّين إلى الضدّين ، وقد مرّ أيضاً عدم الإشكال في ذلك من جهة عدم اقتضاء ذلك الأمر بالجمع ، وقد مرّ مفصّلًا فراجع وتأمّل . هذا كلّه بيان تصحيح الترتّب من جهة تعلّق الأمر .