وهذا ممّا لا يأباه العقل بل يعضده ، وتمام الكلام في مبحث الترتّب واللَّه الموفّق .
هذا خلاصة القول في ماهيّة التخيير بين المتزاحمين .
ولكن لا بدّ من التنبيه على أمور مربوطة به :
فمنها : أنّه على فرض المصير إلى التخيير العقليّ المحض لا إشكال في تقدّم ما احتمل أهمّيّته ولو قيل بالبراءة في مسألة الدوران بين التعيين الشرعيّ والتخيير كذلك ، لأنّ المفروض عدم شكّ بالنسبة إلى الحكم الشرعيّ ، وليس في البين إلّا حكم العقل بملاحظة درك الملاك الإلزاميّ الشرعيّ ، ولا ريب أنّ حكمه بالتخيير من باب عدم المرجّح ، فكما أنّ أهمّيّة أحدهما ثبوتاً مرجّحة للتعيين في نظر العقل كذلك احتمالها ترجيح واقعاً بالنسبة إلى حكم العقل ، فليس في المقام شكّ حتّى يرجع إلى البراءة ، بل يحكم بالتعيين في مورد احتمال أهمّيّة في أحد العدلين .
وأمّا على الثالث المختار فالأمر كذلك لو كان في البين إطلاق من الجانبين أو كان الدليل المتكفّل للحكم المحتمل أهمّيّته واجداً له ، فإنّ تقييد العدل الآخر مسلّم على التقديرين وتقييد ما احتمل أهمّيّته مشكوك ، إذ على فرض أهمّيّته واقعاً لا وجه لرفع اليد عن إطلاقه فيؤخذ بإطلاقه ويقيّد إطلاق الدليل الدالّ على العدل الآخر .
وأمّا لو لم يكن في البين إطلاق دالّ على ثبوت الحكم مطلقا ففي البراءة والاحتياط بتقديم محتمل الأهمّيّة وجهان :
وجه جريان البراءة أنّ المتيقّن ثبوت حكم ما احتمل أهمّيّته بالنسبة إلى حال ترك الآخر ، وأمّا ثبوته بالنسبة إلى حال الإتيان بالآخر فهو غير معلوم ، فلا يستحقّ عليه العقاب ويرفع تنجّزه .
وأمّا وجه الاحتياط فلدعوى أنّ العلم بالملاك التعيينيّ والشكّ في الخطاب الفعليّ كافٍ لدى العقل بياناً على التكليف الفعليّ ، ولولا ذلك لم يكن وجه للاحتياط في مسألة الشكّ في القدرة وكذا الشكّ في الخروج عن محلّ الابتلاء .
ومنها : أنّه لو احتمل الأهمّيّة في كلا العدلين فيحكم بالتخيير في المتساويين
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 261
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص٢٦١