موجبة للترجيح والتفضيل ؛ فلا بدّ وأن يكون الثواب بالجعل ، بمعنى أن الغنيّ « تعالى » جعل عبده كغيره وجعل الأجر في الآخرة أو في الدنيا أو فيهما لعمله الخاص ، فيستحق الثواب الخاصّ بعد هذا الجعل الناشئ عن التفضّل ، أو أن يكون الثواب في الآخرة من لوازم الأعمال ، وصورها الاخرويّة بنحو التوليد دون الاقتضاء ، ولعلّ الكلام في غير الإثابة بالمدح والعقاب بالذمّ ، فإنّه غير محتمل الخلاف من الحكيم ، وكذلك علوّ مرتبة المطيع وترقّي نفسه تنزّل مرتبة العاصي وانخفاض درجته الروحانيّة ؛ فإنّهما - كالصور الملاءمة والمنافرة للأعمال - خارجان عن محلّ البحث ؛ فيقع الإشكال في إثابة سائر الموالي العرفيّة على الاستحقاق ، في محلّه .
وغاية ما يقال فيه : إنّ الممدوح عند العقلاء محسن ولا يفضّل بعضا على غيره بالدواعي النفسانيّة كما لا يترك الجميع ؛ فاستحقاق إثابته كالاستحقاق على من غايته الإحسان والتفضّل والعفو ، لا الترك أو التفضيل لغرض غير ممدوح عليه عند العقلاء .
وأمّا حكم العقل باستحقاق المدح والثواب والذمّ والعقاب ، فيمكن أن يقال بعدم رجوعه إلى مولويّة العقل بالأمر بالعدل والنهي عن الظلم ، بل إلى إدراكه ما فيهما من المصالح أو المفاسد ، وكون المدح والذمّ في محلّه ؛ فإنّ الإلزام من العقل بفعل أو ترك إن كان متوجّها إلى غير العاقل ، فلا فائدة له ؛ أو إلى العاقل ، فلا ضرر في تركه ، لأنّه يراعي ما يدركه بعقله من المصالح أو المفاسد التي هي علل الأمر ومعلولاته بحسب الذهن والخارج ، فلا يكون الإلزام إلّا لغوا ، ويكون بمنزلة إلزام الشخص نفسه بشيء .
وهذا بخلاف الشارع الأقدس المحيط بمصالح النشآت كلّها ومفاسدها
مباحث الأصول — صفحة 158
مساهمون: الشيخ محمد تقي بهجت
ص١٥٨