بين مثل خطاب صلّ وخطاب لا تغصب على الامتناع تعارض الدليلين بما هما دليلان حاكيان كي يقدم الأقوى منهما دلالة أو سنداً بل إنّما [ هو ] هما من باب تزاحم المؤثرين والمقتضيين فيقدم الغالب منهما وإن كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى من دليل مقتضاه هذا ( 1 ) فيما إذا احرز الغالب منهما وإلّا كان بين الخطابين تعارض ، فيقدم الأقوى منهما دلالة وسنداً وبطريق الإن يحرز به إنّ مدلوله أقوى مقتضياً .
شرح
وحاصله : إنّ هناك مرجحات في باب التعارض ترجع إلى ترجيح أقوى الحكمين دليلًا ، سواء كانت القوة من حيث الدلالة أو السند ، ومرجّحات في باب التزاحم ترجع إلى ترجيح أقواهما ملاكاً ومقتضياً ، وذلك للعلم بوجود الملاك في كلّ من الحكمين المتزاحمين مثل قوله : ( صلّ ولا تغصب ) ، بخلاف باب التعارض فإنّ المعلوم هو وجود الملاك في أحد الدليلين ، وبالرجوع إلى المرجح يحرز ما فيه الملاك من الدليلين في مثل قوله : ( أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق ) عمّا ليس فيه الملاك ، ويشهد لما ذكر من وجود الملاك في الحكمين في محل الكلام : تسالم الفقهاء على صحّة الصلاة في الغصب إن كان لعذر كالجهل والنسيان ، وإنّما تبطل إذا كان عن عمد وعلم لعدم تمشّي القربة بعد فرض توجهه إلى المبغوضية .
( 1 ) هذا استدراك لما ذكر من أنّ الملاك موجود في الحكمين في المسألة ويقدم ما هو أقوى ملاكاً ، وهذا الترجيح في فرض إحرازه من بينهما ( وقد مرّ في باب التزاحم الطريق إلى معرفة أقوى الملاكين ) ، وأمّا إذا لم نتمكن من تشخيص أقواهما ملاكاً فإنّه يرجع إلى مرجحات باب التعارض وبطريق الإن نستكشف إنّ ما كان أقوى دليلًا من الآخر سنداً أو دلالة فهو أقوى منه ملاكاً ، وقد تقدّم هذا الاستكشاف في المقدمة التاسعة وذكرنا ما فيه من النظر والتأمل .