نحو أمر متأخّر . قلت : ( 1 ) فيه إنّ الإرادة ( 2 ) تتعلق بأمر متأخّر استقبالي كما تتعلق بأمر حالي وهو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلًا عن فاضل ضرورة ( 3 ) إنّ تحمّل المشاق في تحصيل المقدمات فيما إذا كان المقصود بعيد المسافة وكثير المئونة ليس إلّا لأجل تعلق إرادته به وكونه مريداً له قاصداً إيّاه لا يكاد يحمله على التحمّل إلّا ذلك .
ولعلّ ( 4 ) الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحو المراد وتوّهم إنّ تحريكها نحو المتأخر ممّا لا يكاد ،
شرح
( 1 ) شروع في الجواب عن الإشكال بوجهين .
( 2 ) هذا هو الوجه الأوّل : وحاصله : إنّ الإرادة سواءً كانت تكوينية أم تشريعية كما تتعلق بأمر حالي كذلك تتعلق بأمر استقبالي ، وذلك فيما إذا كانت لمتعلقها مقدمات طويلة الأمد لا يتيسّر الوصول إليه إلّا بعد تمهيد تلك المقدمات ، فبالشروع في أول مقدمة يكون مريداً لذيها ؛ إذ لو لم يكن مريداً له لما أقدم بإتيان تلك المقدمات وهذا أوضح من أن يخفى على عاقل فضلًا عن الفاضل .
( 3 ) من الضروري : إنّ الإرادة إلى ذي المقدمة تشوّق النفس إلى تحصيل المقدمات وتحمّل المصاعب في سبيل الوصول إلى تلك الغاية ، ولولاها لما أقدم على تلك الأعمال الشاقة وما خضع لتلك المخاطر ، والهدف السامي يذلّل للإنسان جميع المعضلات .
( 4 ) هذا توجيه لما أفاده بعض أهل النظر من استلزام الواجب المعلّق الانفكاك بين الإرادة والمراد وهو مستحيل في كلتا الإرادتين وهو : إنّ الذي أوقعه