فلا وجه ( 1 ) للالتزام بانسلاخ صيغها عنها واستعمالها في غيرها إذا وقعت في كلامه تعالى ؛ لاستحالة مثل هذه المعاني في حقّه تبارك وتعالى ممّا لازمه العجز أو الجهل وإنّه لا وجه له ، فإنّ المستحيل أنّما هو الحقيقي منها لا الإنشائي الإيقاعي الّذي يكون بمجرّد قصد حصوله بالصيغة كما عرفت ، ففي كلامه تعالى قد استعملت في معانيها الإيقاعية الإنشائية أيضا لا لإظهار ثبوتها حقيقة ،
شرح
( 1 ) هذه مناقشة مع معظم الأعلام حيث تبعوا النحويين من البناء على أنّ الجمل الإنشائية الطلبية وغيرها موضوعة لمعانيها الحقيقية ، فأداة الاستفهام موضوعة للطلب الحقيقي والتمنّي للتمني الحقيقي والتّرجي للتّرجي الحقيقي وهكذا ، ثم إنّهم وجدوا هذه الاستعمالات في القرآن الكريم ، ولازم حملها على معانيها الحقيقية ( نعوذ باللّه ) الجهل والعجز بالنسبة اليه سبحانه وتعالى ، فالتزموا بالانسلاخ وأنّها منسلخة عن معناها الحقيقي ، قال الشيخ قدّس سرّه في الرسائل في الاستدلال بآية النفر لحجية خبر الواحد : ( إنّ « لعلّ » بعد انسلاخها عن معنى الترجي ظاهرة في كون مدخولها محبوبا للمتكلّم ) . ذكر أنّ هذا الانسلاخ مبنيّ على استعمال تلك الصيغ في نفس الصفات المزبورة ، وأمّا بناء على استعمالها في الإنشاء أي إنشاء الاستفهام بداع آخر فلا يلزم الجهل المحال في حقّه سبحانه ، أو إنشاء الترجي بداع آخر عند الإنشاء به بقوله لعل فلا يلزم منه العجز المحال في حقّه سبحانه ، فعلى ما ذكرناه يكون المستعمل فيه في الجميع هو الإنشاء بتلك الألفاظ الإيقاعي ، فلا وجه حينئذ لدعوى الانسلاخ ؛ إذ لا استحالة في إنشائها بل المستحيل هو الاستفهام والترجي الحقيقيين ، وهما غير مقصودين من اللفظ .