شرح
الذي هو مورد الاستصحاب مفقود في أحكام الشرائع السابقة ؛ للقطع بارتفاعها بعد ورود هذه الشريعة حيث إنها ناسخة لتلك الشرائع ، ومع القطع بارتفاعها يختل ما هو قوام الاستصحاب أعني : الشك في البقاء .
وبالجملة : فلا مقتضي لاستصحاب عدم نسخ أحكام تلك الشرائع ، إما لعدم اليقين بالحدوث بناء على تعدد الموضوع ، وإما لعدم الشك في البقاء بناء على النسخ .
فالمتحصل : أن كلا ركني الاستصحاب من اليقين والشك مفقود ، وقد أشار إلى انتفاء الركن الأول بقوله : « إما لعدم اليقين بثبوتها في حقهم » وإلى انتفاء الركن الثاني بقوله : « فلا شك في بقائها أيضا » ، يعني : كاليقين بثبوتها . وقد أشار إلى جواب التوهم وفساده بقوله « وذلك . . . » الخ .
ومحصل ما أجاب به عن هذا التوهم هو : أن اختلال اليقين مبني على تشريعها لأهل تلك الشريعة بنحو القضية الخارجية كقوله : « أكرم هؤلاء العشرة » حيث إن الموضوع حينئذ أشخاص معينون ، فتختص تلك الأحكام بالأفراد الموجودة حال تشريعها ، ولا تسري إلى غيرهم ؛ لأنه حينئذ من تسرية حكم موضوع إلى موضوع آخر ، وهو أجنبي عن الاستصحاب المتقوم بوحدة الموضوع ، فالإشكال على الاستصحاب من ناحية اختلال اليقين في محله .
وأما إذا كان تشريعها بنحو القضية الحقيقية بحيث لوحظ في مقام الجعل كلي المكلف الصادق على جميع أفراده المحققة والمقدرة كقوله تعالى :وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا« 1 » فلا تختص أحكام شريعة بأهلها ؛ بل تعم غيرهم أيضا ، فإذا شك غير أهلها في نسخ حكم من تلك الأحكام جرى فيه الاستصحاب ؛ لكونه من أفراد طبيعي المكلف الذين شملتهم الخطابات الصادرة في تلك الشرائع ، فاليقين بثبوتها لأهل هذه الشريعة حاصل ، فلا يختل الركن الأول وهو اليقين بالثبوت ، فلا مانع من هذه الجهة من جريان استصحاب عدم نسخ حكم من أحكام الشرائع السابقة . وقد أشار الشيخ إلى هذا الجواب الذي جعله جوابا ثانيا بقوله : « وحله : أن المستصحب هو الحكم الكلي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه ، فإن الشريعة اللاحقة لا تحدث عند انقراض أهل الشريعة الأولى ؛ إذ لو فرض وجود اللاحقين في السابق عمهم الحكم ، ومثل هذا لو أثر في الاستصحاب لقدح في أكثر
هامش
( 1 ) آل عمران : 97 .