دروس في الكفاية — صفحة 316
الخامس ( 1 ) : إنه كما لا إشكال فيما إذا كان المتيقن حكما فعليا مطلقا ، لا ينبغي التنبيه الخامس في الاستصحاب التعليقي ( 1 ) وقبل الخوض في البحث ينبغي تحرير ما هو محل الكلام في هذا التنبيه الخامس . وتوضيح ذلك يتوقف على مقدمة وهي : أن الحكم تارة : يكون فعليا من جميع الجهات ، وأخرى : يكون فعليا من بعض الجهات دون بعض ، ويعبّر عن القسم الأول بالحكم التنجيزي . وعن القسم الثاني يعبّر بالحكم التعليقي تارة ؛ وبالحكم التقديري أخرى . إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم : أن محل الكلام في هذا التنبيه الخامس إنما هو في جريان الاستصحاب في الأحكام التعليقية وعدم جريانه بعد القول بجريان الاستصحاب في الأحكام التنجيزية . وأما على القول بعدم جريان الاستصحاب في الأحكام : فلا يبقى مجال للبحث عن جريانه في الأحكام التعليقية ؛ وذلك لعدم جريانه حينئذ فيها قطعا كما لا يخفى . وكيف كان ؛ فقبل التكلم في جريان الاستصحاب التعليقي وعدمه لا بد من بيان مقدمة ، وهي : أن العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام على أقسام : فتارة : يكون أخذ العنوان لمجرد الإشارة إلى حقيقة المعنون بلا دخل للعنوان في ثبوت الحكم أي : بحيث يفهم العرف من نفس الدليل الدال على الحكم أن الحكم ثابت لهذا الموضوع ، مع تبدل العنوان المأخوذ بعنوان آخر ؛ كعنوان الحنطة والشعير مثلا ، فإنه إذا دل دليل على أن الحنطة حلال ، ويستفاد منه عرفا أن الحلية ثابتة لحقيقة الحنطة - ولو مع تبدل هذا العنوان - كما إذا صار دقيقا ثم عجينا ثم خبزا ، فيستفاد من حليتها الحلية في جميع هذه التبدلات ، ففي مثل ذلك لا شك في بقاء الحكم في حال من الحالات ، حتى نحتاج إلى الاستصحاب . وأخرى : يكون الأمر بعكس ذلك - أي : يفهم العرف من نفس الدليل أن الحكم دائر مدار العنوان فيرتفع بارتفاعه - كما في موارد الاستحالة ؛ كاستحالة الكلب ملحا ونحوها من موارد الاستحالات . وقد يستفاد ذلك في غير موارد الاستحالة ، كما في حرمة الخمر فإنها تابعة لصدق عنوانه ، فإذا تبدل عنوانه لم يحتمل بقاء حكمه ، ففي أمثال ذلك نقطع بارتفاع الحكم بمجرد تبدل العنوان فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب . وثالثة : لا يستفاد أحد الأمرين من نفس الدليل ، فشك في بقاء الحكم بعد تبدل