شرح
وتوضيح ما أفاده الشيخ لإثبات المقتضي للقول بالاختصاص يتوقف على مقدمة وهي : أن معنى النقض الحقيقي هو رفع الهيئة الاتصالية الحسية الحاصلة في الأشياء ، وإبانة أجزائها كنقض الحبل والغزل ونحوهما مما يكون له هيئة اتصالية حسية ، ومنه قوله تعالى :كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً« 1 » .
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم : أنه إذا تعذر حمله على المعنى الحقيقي فلا بد من حمله على أقرب المجازات ، ويدور الأمر في المقام بين إرادة أحد معنيين مجازيين :
الأول : رفع اليد عن الشيء الثابت مع وجود المقتضي لبقائه لولا عروض المزيل كالطهارة والزوجية الدائمة .
الثاني : رفع اليد عن مطلق اليقين ؛ وإن لم يكن في متعلقه استعداد الاستمرار ، كاليقين بالزوجية المنقطعة أو بإضاءة السراج إلى ساعتين لقلة زيته .
ومن المعلوم : أن الأقرب إلى المعنى الحقيقي هو الأول أعني : الأمر الثابت الذي فيه اقتضاء البقاء في عمود الزمان ، فكأنه « عليه السلام » قال : « لا ترفع اليد عن المتيقن الثابت القابل للاستمرار بالشك في بقائه » .
وجه الأقربية : ما تقرر من أن الجملة المشتملة على فعل إذا تعلق به شيء وتعذر الأخذ بمدلول كليهما معا قدم ظهور الفعل على ظهور متعلقة ؛ كما إذا قال المولى : « لا تضرب أحدا » ، فإن ظهور الضرب في الضرب المؤلم حاكم على إطلاق « أحد » الشامل للأحياء والأموات ، وتكون خصوصية الفعل منشأ لتخصيص « أحد » بالأحياء ، ولا يصير عموم المتعلق قرينة على تعميم الضرب لغير الأحياء .
وفي المقام حيث كان إرادة رفع اليد عما من شأنه البقاء أقرب إلى معنى « النقض » الحقيقي ، فلذا يتصرف في عموم المتعلق أعني : « اليقين » ، ويخصص بما فيه استعداد البقاء ، وعليه : فيتم المطلوب وهو اختصاص الاستصحاب بالشك في الرافع .
وتحصل : أن المنقوض في أخبار الاستصحاب لا بد أن يكون مما يقتضي البقاء ؛ بحيث يكون الشك في بقائه مستندا إلى الشك في وجود الرافع كالنوم وسائر النواقض المعهودة للوضوء . هذا توضيح مرام الشيخ « قدس سره » .
وأورد عليه المصنف : بالبحث تارة : في مدلول مادة « النقض » ، وأخرى : في هيئة « لا تنقض » .
هامش
( 1 ) النحل : 92 .