ثم إنه ( 1 ) لا يجوز الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلا أو شرعا ، حيث إنه ليس بمعرفة قطعا ، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن ، ومع العجز عنه : كان معذورا إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة المطلب ، مع قلة الاستعداد كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال ، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد ، ولو لأجل حب طريقة الآباء والأجداد ، واتباع سيرة السلف ، فإنه كالجبلي للخلف ، وقلّما عنه تخلف .
والمراد من المجاهدة في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« * » هو المجاهدة مع النفس ؛ بتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالفضائل ، وهي التي كانت أكبر
شرح
( 1 ) الضمير للشأن غرضه بيان قيام الظن مقام العلم بعد الفراغ مما يجب تحصيل المعرفة به عقلا أو شرعا وعدم قيامه مقامه ، ومرجعية البراءة في موارد الشك .
وتوضيح ما أفاده : أنه قد استدل على كفاية الظن في أصول الدين بوجوه :
الأول : أن الظن معرفة مطلقا ، سواء في حال الانفتاح أم الانسداد ؛ بحيث تصدق المعرفة عليه كصدقها على العلم ، فيكتفى بالظن في الأصول حتى في حال انفتاح باب العلم بها . وفيه ما أشار إليه المصنف بقوله : « حيث إنه ليس بمعرفته قطعا » . وحاصله : أن الظن ليس مصداقا للمعرفة الواجبة في بعض الأصول الاعتقادية ؛ إذ المعرفة عرفا هي العلم ولا تصدق على غيره ، فمع التمكن من تحصيل العلم يجب تحصيله ، ولا يجوز الاكتفاء بالظن . ومع عدم التمكن منه : يكون معذورا إن كان العجز عن تحصيل العلم مستند إلى القصور الناشئ عن عدم المقتضي ؛ كقلة الاستعداد وغموض المطلب ، أو وجود المانع كغفلته وعدم التفاته .
وإن كان العجز عنه مستندا إلى التقصير في الاجتهاد ؛ ولو لأجل حب طريقة الآباء :
فإن هذا الحب ربما يوهم كون تلك الطريقة حقا ، فيورث الخطأ في الاجتهاد ، فهو غير معذور ؛ بل مقصر لأجل الحب المزبور الملقى له في الخطأ .
قوله : « كما هو المشاهد . . . » الخ . إشارة إلى دفع ما قيل : من عدم وجود القاصر استنادا إلى حصر المكلف في المؤمن والكافر ، وخلود الكافر في النار ، وإلى قوله تعالى :وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا.
وأما دلالة حصر المكلف في المؤمن والكافر على نفي الجاهل القاصر : فيتوقف على مقدمة وهي : أن هناك ما دل على خلود الكافر في النار ، وهناك حكم العقل بقبح عقاب الجاهل القاصر .
هامش
( * ) العنكبوت : 69 .