الإشكال ؛ ولو قيل ( 1 ) بكونه موجبا لتعلق الأمر به شرعا ، بداهة ( 2 ) : توقفه على ثبوته توقف العارض على معروضه ، فكيف يعقل أن يكون من مبادئ ثبوته ( 3 ) ؟
شرح
فالمتحصل : أن حسن الاحتياط عقلا لا يدل بقاعدة الملازمة على تعلق الأمر المولوي به أولا ؛ إذ الأمر المتعلق بالاحتياط كالأمر بالإطاعة الحقيقية إرشادي ، ومن الواضح : أن الأمر الإرشادي لا يصلح للتقرب به . هذا تمام الكلام في الوجه الأول .
وأما الوجه الثاني - وهو لزوم الدور - فلأن الحسن عارض على الاحتياط ، والاحتياط معروض له ، فيجب أن يكون الاحتياط مقدما على الحسن ؛ إذ كل معروض مقدم على العارض هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى : أن الاحتياط متأخر عن الأمر ، لأن الاحتياط يتوقف على الأمر ؛ إذ لولا الأمر لم يكن الاحتياط احتياطا ، فكيف يمكن أن يؤثر الحسن المتأخر عن الاحتياط في الأمر المتقدم عليه .
وبتقريب آخر : أن الأمر يتوقف على حسن صلاة الجمعة مثلا ، وحسنها يتوقف على أن تكون الصلاة احتياطا ، وكونها احتياطا يتوقف على قصد القربة ؛ إذ بدون قصد القربة لا تكون صلاة . وقصد القربة يتوقف على الأمر فالأمر يتوقف على الأمر .
( 1 ) هذا إشارة إلى الوجه الأول الذي عرفت توضيحه .
( 2 ) تعليل لقوله : « لا يكاد يجدي » ، وبيان للوجه الثاني وهو لزوم الدور . وقد عرفت توضيحه .
وضمير « توقفه » راجع على الأمر بالاحتياط ، وضمير « ثبوته » راجع على الاحتياط ، و « توقف العارض » مفعول مطلق نوعي ، يعني : أن الأمر بالاحتياط عارض على الاحتياط ، فيتوقف على ثبوت الاحتياط ؛ لكونه متأخرا عنه كما هو الحال في جميع العوارض بالنسبة إلى معروضاتها ، سواء كان ذلك في الوجود الخارجي كالبياض العارض على الجسم ، أم في عارض الوجود الذهني كالجنسية والنوعية في قولنا ؛ الحيوان جنس والإنسان نوع .
وبالجملة : فالأمر بالاحتياط لكونه عارضا عليه متوقف على الاحتياط ومتأخرا عنه ، فلا يعقل أن يكون الأمر من مبادئ وجود الاحتياط ومتقدما عليه .
( 3 ) أي : الاحتياط . واسم « يكون » ضمير مستتر راجع على الأمر ، يعني : كيف يعقل أن يكون الأمر من مبادئ ثبوت الاحتياط وعلل وجوده ، مع أنه متأخر عن الاحتياط كما عرفت وجهه ؟ .