فإنه يقال : إن مجرد إيجابه ( 1 ) واقعا ما لم يعلم لا يصحح العقوبة ، ولا يخرجها
شرح
الرابع : أن المقصود من الهلكة - كما هو المتبادر منها إلى الذهن أو المنصرف إليه من إطلاقها - هو العقاب الأخروي ، ضرورة : أن همّ الشارع صرف العباد عن العقوبة الأخروية .
إذا عرفت هذه الأمور من باب المقدمة ، فنقول : حاصل الإشكال : أنه وإن لم يمكن أن يكون الأمر بالوقوف والاحتياط في الأخبار المثبتة للهلكة للطلب المولوي الإلزامي ؛ بل لا بد من حمله على الإرشاد كما تقدم ، لكن يمكن استفادة طلب ظاهري مولوي آخر من تلك الأخبار بالدلالة الالتزامية ، وذلك لأنه لما كانت العقوبة من آثار الطلب المولوي - كما هو المستفاد منها حيث رتبت الهلكة يعني : العقوبة على محتمل التكليف الإلزامي الذي منها الشبهة البدوية بعد الفحص - كان الدليل الدال على وجود العقوبة في الشبهة كاشفا عن وجود البيان على التكليف ، ودالا عليه بالدلالة الالتزامية ، وأن الشارع قد اكتفى بذكر اللازم - وهو الابتلاء بالعقوبة الأخروية - عن بيان ملزومه وهو الوجوب الشرعي .
وبالجملة : فالأخبار المثبتة لترتب الهلكة على ترك الاحتياط في الشبهة التي منها البدوية بعد الفحص كاشفة عن وجوب الاحتياط شرعا ، كشفا بالمعلول عن العلة ؛ وإلا كان المعلول بلا علة والعقاب بلا بيان .
قوله : « نعم » استدراك على قوله : « فكيف يعلل ؟ » ، وضمير « لكنه » للشأن ، يعني : أن مقتضى ما تقدم من انبعاث الأمر بالتوقف عن الهلكة المفروضة الوجود وإن كان هو وجودها في رتبة سابقة على الأمر ، فلا يمكن استكشاف الهلكة من الأمر ليحمل على كونه مولويا ؛ لكن يمكن استكشاف الأمر المولوي بالاحتياط من الهلكة المترتبة على الأمر به بالبرهان الإني كما عرفت .
وضمير « منه » راجع على التعليل الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة : « فإن الوقوف » .
قوله : « على نحو الإنّ » إشارة إلى البرهان الإني ، وهو العلم بالعلة من العلم بالمعلول ، واستكشافها منه .
( 1 ) أي : إيجاب الاحتياط .
وتوضيح الجواب عن الإشكال : أن العقاب على مخالفة إيجاب الاحتياط في الشبهة البدوية ما لم يصل إلى المكلف عقاب بلا بيان ؛ إذ المصحح للمؤاخذة هو البيان الواصل ؛ لا التكليف بوجوده الواقعي ، سواء كان الحكم الواقعي نفسيا أم طريقيا