والجواب : إن القول بالإباحة شرعا وبالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير علم ؛ لما دل على الإباحة من النقل وعلى البراءة من حكم العقل ، ومعهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلا ، ولا فيه مخالفة التقوى ، كما لا يخفى .
شرح
الترخيص في محتمل الحرمة حكم ظاهري ثابت بأدلة قطعية ، بل القول بغير علم صادق في الحكم بوجوب الاحتياط لعدم دليل عليه .
وأما تقريب الاستدلال بالطائفة الثانية على وجوب الاحتياط : فلأن ارتكاب الشبهة التحريمية يكون من الإلقاء في التهلكة ، فيكون محرما ، فلا بد من الاحتياط في المشتبه ، وهو المطلوب .
وأما الجواب عنها : فلأن المراد من التهلكة : إن كان هو العقاب الأخروي فهو منفي بدليل البراءة ، فدليل البراءة وارد على الآية كوروده على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل .
وإن كان هو الضرر الدنيوي : فمضافا إلى كون الشبهة موضوعية لا يجب فيها الاحتياط ، فإنه ليس كل ضرر دنيوي يعدّ تهلكة ؛ بل التهلكة ما يؤدي إلى الموت ، ومن المعلوم : أن المحرمات المحتملة لا يحتمل فيها الضرر بهذا المعنى .
وأما تقريب الاستدلال بالطائفة الثالثة على وجوب الاحتياط : فلأن الاجتناب عن محتمل الحرمة من التقوى ، وكل ما كان كذلك واجب ينتج : « الاجتناب عن محتمل الحرمة واجب » .
وأما الجواب عنها : فلأن ارتكاب محتمل الحرمة لا يكون منافيا للتقوى ؛ لأن التقوى عبارة عن ترك ما نهى الشارع عنه ، وفعل ما أمر به .
وأما محتمل الحرمة الذي لا يوجد دليل على حرمته ورخص الشارع على ارتكابه :
فارتكابه لا ينافي التقوى . هذا مضافا إلى أن آيات التقوى تدل على استحباب الاتقاء ، فتكون خارجة عن المقام ؛ لأن النزاع إنما هو في وجوب الاحتياط . وأما استحبابه فهو مورد للاتفاق .
فالمتحصل : أنه بعد دلالة الدليل العقلي والنقلي على البراءة لا يكون فعل محتمل الحرمة مخالفا للتقوى ، ولا موجبا للتهلكة بمعنى العقوبة ، ولا الحكم بجواز ارتكابه قولا بغير علم .
ولهذا يقول المصنف « قدس سره » : « إن القول بالإباحة شرعا وبالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير علم . . . » الخ .