وجوب التبين عند انتفائه ووجود موضوع آخر . فتدبر ( 1 ) .
ولكنه يشكل ( 2 ) : بأنه ليس لها هاهنا مفهوم ، ولو سلّم أن أمثالها ظاهرة في المفهوم ؛ لأن التعليل بإصابة القوم بالجهالة المشترك بين المفهوم والمنطوق يكون قرينة على أنه ليس لها مفهوم .
شرح
( 1 ) لعله إشارة إلى أن الظاهر من القضية التي سيقت لبيان تحقق الموضوع هو : كون الغرض بيان الموضوع فقط ، فتكون القضية الشرطية التي سيقت لبيان تحقق الموضوع حينئذ بمنزلة الجملة اللقبية في عدم دلالتها على الانحصار أصلا .
ويمكن أن يكون إشارة إلى عدم انطباق ضابط المفهوم على القضية الشرطية المسوقة لبيان تحقق الموضوع ؛ لأن المفهوم هو نقيض المنطوق ، فلا بد أن يكون الجزاء ونقيضه ثابتين لنفس الموضوع المذكور في المنطوق ، فلو كان نقيض الجزاء ثابتا لغير الموضوع المذكور في المنطوق لم يكن ذلك من المفهوم .
( 2 ) مجمل الكلام في الإشكال قبل التفصيل : أن المفهوم في الآية الشريفة على تقدير ثبوته وإن كان دالا على حجية خبر العادل الغير المفيد للعلم ؛ إلّا إنه معارض لعموم التعليل - أعني : قوله تعالى :أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ- فإن مقتضى عموم التعليل عدم حجية الخبر ، الذي لا يؤمن من الوقوع في الندم من العمل به ولو كان المخبر عادلا ؛ لأن الجهالة بمعنى : عدم العلم بالواقع مشترك بين خبري العادل والفاسق ، ومن المعلوم : أن عموم التعليل يقدم على المفهوم ؛ لكونه أقوى منه وآبيا عن التخصيص وكونه منطوقا لا مفهوما .
وأما تفصيل الكلام فيه : فيتوقف على مقدمة وهي : أن الحكم إذا كان معللا بعلة :
كان يدور مدارها وجودا وعدما ، فالعلة قد تعمم ، كما أنها قد تخصص ، ففي مثل قول الطبيب للمريض : « لا تأكل الرمان لأنه حامض » تعمم العلة ، وتشمل غير الرمان ، فلا يجوز أكل كل حامض رمانا كان أو غيره ، وتخصّص : فيخرج الرمان الحلو ، فهذه العلة كانت تخصص فيخرج الرمان الحلو ، وتعمم فيدخل الحامض من غيره .
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم : أن الله تعالى قد حكم في صدر الآية المباركة بوجوب التبين في خبر الفاسق ، ثم علله باحتمال الوقوع في الندم ، وهذا التعليل يجري في خبر العادل الغير المفيد للعلم ، فيقتضي وجوب التبين فيه كخبر الفاسق ، لما عرفت من : أن الحكم يدور مدار علته سعة وضيقا ، فالحكم بوجوب التبين يجري في خبر العادل لوجود علته فيه ، فلا يكون حجة ، والمفهوم الدال على الحجية يكون معارضا مع عموم التعليل ،