كان قضيتهما عقلا تختلف ولو مع وحدة متعلقهما ؛ بأن يكون طبيعة واحدة بذاتها وقيدها تعلق بها الأمر مرة والنهي أخرى ، ضرورة : أن وجودها يكون بوجود فرد واحد ، وعدمها لا يكاد يكون إلّا بعدم الجميع كما لا يخفى ( 1 ) .
ومن ذلك ( 2 ) يظهر : أن الدوام والاستمرار إنما يكون في النهي إذا كان متعلقه طبيعة مطلقة غير مقيدة بزمان أو حال ، فإنه حينئذ لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة معدومة ؛ إلّا بعدم جميع أفرادها الدفعية والتدريجية .
شرح
وحاصل ردّ المصنف عليه : أنه لا فرق بينهما في عدم الدلالة على الدوام والتكرار بالدلالة اللفظية الوضعية ، وهي محل الكلام .
وما ذكر من الفرق والاختلاف بينهما إنما هو بحسب حكم العقل ، وهو يختلف في المقامين ، فإنه لمّا كان وجود الطبيعة الذي هو المطلوب في الأمر يتحقق بأول وجوداتها ، لانطباق الطبيعة عليه قهرا ، وحصول الغرض الداعي إلى الأمر بها الموجب لسقوط الأمر ، هذا بخلاف عدم الطبيعة الذي هو المطلوب في النهي ، حيث إن عدمها يتوقف عقلا على عدم جميع أفرادها الطولية والعرضية ؛ كان مقتضى حكم العقل في الأمر هو سقوط الطلب بأول وجودات الطبيعة ، وعدم سقوطه في النهي إلّا بترك جميع أفراد الطبيعة المنهي عنها ، من غير فرق في هذا التوقف بين إطلاق الطبيعة كقوله : « لا تشرب الخمر » ، وبين تقييدها بقيد كقوله : « لا تشرب ماء الرمان في زمان مرضك » .
وكيف كان ؛ فدلالة النهي على الدوام والاستمرار إنما هي بحكم العقل ، وهو خارج عن محل الكلام ؛ لا بالوضع حتى يكون من محل الكلام .
( 1 ) إذ النهي - كما عرفت - عبارة عن كراهة الطبيعة ، فتحقق الفرد الموجب لتحقق الطبيعة يكون مكروها ، والأمر عبارة عن محبوبية الطبيعة ، فبتحقق فرد يتحقق المحبوب .
وهذا التفاوت ليس بسبب دلالة الأمر والنهي على المرة والتكرار ؛ بل بملاحظة حكم العقل على ما عرفت .
( 2 ) يعني : ومن حكم العقل بتوقف ترك الطبيعة على ترك جميع الأفراد ، وأن عدم الطبيعة لا يكاد يكون إلّا بعدم الجميع ؛ يظهر : أن الدوام إنما يكون فيما إذا تعلق النهي بطبيعة مطلقة ، حيث إن عدمها منوط بترك جميع الأفراد العرضية والطولية ، بخلاف ما إذا كان متعلق النهي الطبيعة المقيدة بزمان أو حال نحو : « لا تضرب يوم الجمعة » ، أو « لا تشرب في القيام » ، فإن الاستمرار حينئذ يختص بذلك الزمان أو تلك الحالة ، فلا يقتضي النهي عدم جميع أفراد الضرب حتى في غير يوم الجمعة ، أو عدم جميع أفراد الشرب حتى في حال الجلوس .