شرح
4 - التخيير بين الأقل والأكثر :
ربما يقال : إنه محال ؛ لأن الغرض إن كان يحصل بالأقل : فلا مجال للامتثال بالأكثر أصلا ؛ إذ حينئذ يسقط الأمر بعد حصول الغرض بالأقل بمجرد الإتيان به .
وإن كان لا يحصل الغرض بالأقل : فلا وجه لجعله طرف التخيير ، والاكتفاء به في مقام الامتثال .
وقد قال المصنف في دفع هذا الإشكال - وتصحيح التخيير بين الأقل والأكثر - بما حاصله : إنه يمكن أن يكون المحصل للغرض عند وجود الأكثر هو الأكثر دون الأقل الذي في ضمنه ، ويمكن أن يكون الأقل محصّلا للغرض إذا وجد بحدّه لا في ضمن الأكثر .
فإذا كان الأمر كذلك يتعين التخيير بينهما ، لأن كلا منهما محصل للغرض ، ولا مرجح يقتضي تعين أحدهما دون الآخر .
وقد يستشكل : بأن هذا إنما يتم في المورد الذي لا يكون للأقل وجود مستقل لو وجد الأكثر ، نظير الخط الطويل والخط القصير ؛ فإنه لا وجود للخط القصير مستقل عند وجود الخط الطويل .
وأما لو كان للأقل وجود مستقل مع وجود الأكثر ؛ نظير التسبيحة الواحدة والتسبيحات الثلاث فلا يتم ما ذكر ، إذ الأقل موجود بحدّه دائما ، فيتحقق به الغرض ، فلا تصل النوبة إلى الأكثر أبدا .
وقد أجاب المصنف عن هذا الإشكال : بما حاصله : أنه يمكن أن يكون ترتب الغرض على الأقل بشرط عدم الانضمام ، ومع الانضمام : يكون الغرض مترتبا على الأكثر ، فيكون الأقل مأخوذا بشرط لا ، فيصح التخيير بين الأقل والأكثر . إلّا إن هذا وإن كان تصحيحا للتخيير بين الأقل والأكثر ، إلّا إنه أجنبي عن التخيير المبحوث عنه ، بل يرجع هذا التخيير في الحقيقة إلى التخيير بين المتباينين لمباينة الماهية بشرط شيء للماهية بشرط لا ، ولازم هذا الكلام هو : الاعتراف بما ذكره بقوله : « ربما يقال بأنه محال إذ المراد بالاستحالة عدم معقولية التخيير بين الأقل والأكثر ؛ ضرورة : أن الأقل بشرط لا يباين الأكثر الذي هو الأقل بشرط شيء ، فيخرجان عن الأقل والأكثر ، ويندرجان في المتباينين ؛ إلّا إن يقال : إن التباين بين الأقل والأكثر عقلي ، والتباين بين المتباينين خارجي ، فلا يندرج الأول في الثاني ؛ حتى يقال بخروجهما عن الأقل والأكثر ، ودخولهما في المتباينين .