دروس في الكفاية — صفحة 132
الثاني ( 1 ) : أنه قد انقدح مما هو التحقيق في وجه اعتبار قصد القربة في الطهارات صحتها ، ولو لم يؤت بها بقصد التوصل بها إلى غاية من غاياتها . ببيان : أن الأمر الأوّلي الترشحي إن كان توصليا : يسقط بمجرد الإتيان بالطهارات ، فلا وجه للأمر ثانيا بإتيانها بداعي أمرها . وإن كان تعبديا بأن لا يسقط من غير قصد الأمر : فالعقل يستقل بلزوم قصده ، فكان أمر المولى بها ثانيا لغوا وبلا فائدة . هذا تمام الكلام في التذنيب الأول وتوابعه . في اعتبار قصد التوصل في الطهارات الثلاث وعدم اعتباره ( 1 ) المقصود من عقد هذا التذنيب الثاني هو : إثبات عدم اعتبار قصد التوصل في الطهارات ، وتضعيف الدليل الذي أقامه التقريرات على اعتبار قصد التوصل في وقوع المقدمات العبادية على صفة الوجوب . أما الدليل الذي أقامه صاحب التقريرات على اعتبار قصد التوصل فهو ما حاصله : أن الامتثال مما يتوقف على قصد عنوان الواجب ، وقصد عنوان الواجب هنا هو قصد عنوان المقدمية ، وقصد عنوان المقدمية مما لا يتحقق بدون قصد التوصل بها إلى ذيها ؛ لأن الأمر الذي تعلق بالطهارات غيري حسب الفرض ، فلا بد من قصد التوصل إلى الغير في تحقق امتثاله ؛ لأن المقصود من الوجوب الغيري هو التوصل إلى الغير . وأما كلام المصنف في تضعيف هذا الدليل فحاصله : أن صحة المقدمات العبادية كالطهارات الثلاث لا تتوقف على قصد التوصل بها إلى غاية من غاياتها ؛ لأن عبادية الطهارات - بناء على ما حققه المصنف - ذاتية ، وهي مصححة لاعتبار قصد القربة فيها ، وأنها بما هي كذلك جعلت مقدمة لغاياتها ، فيجوز الإتيان بها قبل الوقت بداعي حسنها الذاتي وأمرها الاستحبابي النفسي ، كما يجوز الإتيان بها بعد الوقت بداعي أمرها الغيري أيضا ، فحينئذ صحتها لا تتوقف على قصد التوصل ؛ بل تصح وتتصف بالوجوب وإن لم يأت بها لغاية من الغايات . والحاصل : أن للطهارات صور ثلاث : الأولى : الإتيان بها بقصد التوصل إلى غاية من غاياتها مع الإتيان بها في الخارج ، كما لو توضأ للتوصل به إلى الصلاة وصلى . الثانية : هي نفس الصورة الأولى ؛ مع عدم الإتيان بالغاية ، كما لو توضأ للصلاة ثم لم يصل . الثالثة : الإتيان بها لا بقصد التوصل ، كما لو توضأ لكونه نورا .