كما أنه لا شبهة في عدم أخذ الإرادة في معانيها الموضوع لها ؛ بداهة انها لم توضع للمعاني المرادة للافظها . واستدل على ذلك بوجوه :
الأول - انا قد ذكرنا غير مرة ان قصد المعنى على انحائه لا يكاد يمكن اخذه في المعنى الموضوع له ، فإنه من مقومات الاستعمال دون المستعمل فيه . . . ببيان ان الاستعمال بما انه فعل اختياري للمستعمل فلا محالة يكون مسبوقا بالتصور والتصديق ، وهكذا . . . والجامع هو انه مسبوق بالإرادة ، فلا يمكن صدور فعل عن اختيار بدون الإرادة والقصد . فالفعل الصادر غفلة وبلا قصد لا يكون اختياريا . وعليه ، فلو كان قصد المعنى مأخوذا في الموضوع له والمستعمل فيه بنحو الجزئية أو القيدية للزم أحد امرين : إما تقدم الشئ على نفسه ، وإما اجتماع القصدين في معنى واحد . وذلك لأن القصد المأخوذ في المعنى الموضوع له إن كان هو عين القصد الناشئ من قبل الاستعمال فيلزم تقدم الشئ على نفسه ، لأن الاستعمال متأخر عن المستعمل فيه رتبة ، وعليه فلا يمكن أخذ ما يتأتى من قبله فيه . . وان كان هو غير هذا القصد الناشئ من ناحية الاستعمال ؛ فيلزم اجتماع القصدين في معنى واحد ، وهو خلاف الوجدان . . فاذن ، لا يمكن أخذ القصد بجميع انحائه ، من القصد الآلي والاستقلالى والقصد الانشائي والاخبارى ، في المعنى الموضوع له والمستعمل فيه .
الثاني - ان القصد لو كان مأخوذا في المعنى الموضوع له ، لا يمكن الحمل والاسناد في الحمل ؛ كقولنا « زيد عالم » و « عمرو شاعر » ونحوهما ، بلا تصرف في ألفاظ موضوعها ومحمولها . ضرورة ان المحمول في « زيد عالم » ليس العالم بما هو مراد ، وفي « عمرو شاعر » ليس الشاعر كذلك . . بل المحمول هو نفس العالم الخارجي والشاعر كذلك ؛ لفرض انه في مقام الاخبار عن كون شخص عالما أو شاعرا في الخارج لا في الذهن . فلو لم يتصرف في المحمول ولم يجرده عن القصد
دراسات في أصول الفقه — صفحة 71
مساهمون: السيد محمد كلانتر
ص٧١