كما لا ينبغي أن يشك في عدم صحة انتزاعها عن مجرد التكليف في موردها ، فلا ينتزع الملكيّة عن إباحة التصرفات ، ولا الزوجية من جواز الوطء ، وهكذا سائر الاعتبارات في أبواب العقود والإيقاعات .
فانقدح بذلك أن مثل هذه الاعتبارات إنما تكون مجعولة بنفسها ، يصح انتزاعها بمجرد إنشائها كالتكليف ، لا مجعولة بتبعه ومنتزعة عنه .
شرح
اعلم انّ كون تلك الاعتبارات وأمثالها قابلة للجعل التشريعي بحسب الإمكان بمعنى عدم قيام دليل على الاستحالة كما في النحو الأول ممّا لا ينكر ، كما انّ مجعوليتها شرعا بحسب الوقوع في الخارج ممّا لا ريب فيه ، انّما الكلام في انّها مجعولات بالجعل البسيط الاستقلالي ، أو مجعولات بالجعل التبعي جعلا مركبا ، فذهب بعض إلى الأخير وشرذمة إلى الأول ، والتحقيق فيه كما عليه المصنّف والسيّد الأستاذ هو انّه وان كان كلّ واحد منهما ممكنا إلّا انّ الصحيح في المقام هو انّها مجعولات بإنشاء أنفسها لا أنّها منتزعات عن الأحكام كما قال به بعض الاعلام ، وذلك لأنّ العرف والعقلاء يعتبرونها متحققة بمجرّد تحقّق أسبابها من العقد والإيقاع وموت المورث وغيرها من غير ملاحظة التكاليف المجعولة ، وينتزعونها عن مجرّد العقد والإيقاع من غير اعتبار الأحكام ، بل تكون تلك الأمور بنظرهم موضوعات وعلل الأحكام والآثار كما لا يخفى على من تأمّل من ذوي الأبصار ، وذلك دليل على المطلوب ، لا ما قيل من انّ الزوجية منتزعة عن جواز الوطء ، والملكيّة منتزعة عن جواز التصرف في المال فانّه ليس بصحيح ، لأنّ جواز الوطء لا يستلزم الزوجية فانّه قد يثبت مع عدم الزوجية كالوطي بالشبهة ووطي الأمة مثلا ، وكذا جواز التصرف في المال فإنه قد يكون مع عدم الملكية كالتصرف في المباحات الأصليّة قبل قصد التمليك وهكذا ، وهذا أقوى شاهد على المطلوب فانقدح بذلك كلّه انّ تلك الاعتبارات انّما تكون مجعولة بنفسها