بقي أمور مهمة لا بأس بالإشارة إليها :
الأول :
إنه إنما تجري أصالة البراءة شرعا وعقلا فيما لم يكن هناك أصل موضوعي مطلقا ولو كان موافقا لها ، فإنه معه لا مجال لها أصلا ، لوروده عليها كما يأتي تحقيقه فلا تجري - مثلا - أصالة الإباحة في حيوان شك في حلّيته مع الشك في
شرح
( قوله : بقي أمور لا بأس بالإشارة إليها : الأول انّه انما تجري أصالة البراءة شرعا وعقلا فيما لم يكن هناك أصل موضوعي . . . إلخ ) اعلم انّ هذا الأمر متكفّل لبيان عدم جريان البراءة مع وجود أصل موضوعي يحرز به الحكم أو عدمه ، وتوضيحه بنحو الاختصار انّ مجرى البراءة انما هو في مورد لم يكن في البين أصل موضوعي محرز للحكم ، وامّا إذا كان أصل موضوعي فلا يحلّ لجريان البراءة سواء أكان مخالفا لها أم موافقا ، وسواء أكان منشأ الشكّ امرا راجعا إلى الشرع بمعنى انّ بيانه من شأن الشرع كالموضوعات المستنبطة ، كما إذا شككنا في حيوان انّه قابل للتذكية أولا ، فانّ قابلية التذكية وعدمها امر بيانه راجع إلى الشرع .
أم كان منشأ الشك أمرا خارجيا كالشك في وقوع أصالة التذكية على الحيوان بعد إحراز قابليته لها .
وعلة عدم جريان البراءة في هذه الموارد انّ جريان الأصل الموضوعي يخرج الواقعة عن كونها مجهولة الحكم ، ويصيّر حكمها معلوما ، فلا يشملها حديث الرفع وغيره من الأدلّة النقليّة ، ولا يشملها البراءة العقلية أيضا لأنّها في مورد فقدان البيان . والمفروض بيان ، وبعبارة أخرى ان مقتضى أدلّة البراءة عقلا ونقلا انّ الواقع لا يتنجّز بصرف الاحتمال ، والاحتمال بما هو هو لا يكون منجّزا ، بل المنجّز هو العلم أو ما يقوم مقامه من دليل معتبر شرعا أو أصل كذلك ، فمع قيام الدليل أو الأصل المعتبر على حكم ينتفي موضوع أدلّة البراءة مطلقا ،