وربما استدل بما قيل : من استقلال العقل بالحظر في الأفعال الغير الضرورية قبل الشرع ، ولا أقل من الوقف وعدم استقلاله ، لا به ولا بالإباحة ، ولم يثبت شرعا إباحة ما اشتبه حرمته ، فإن ما دل على الإباحة معارض بما دل على وجوب التوقف أو الاحتياط .
وفيه أولا : إنه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف والإشكال ، وإلا لصح الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال على الإباحة .
وثانيا : إنه ثبت الإباحة شرعا ، لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط ، للمعارضة لما دل عليها .
شرح
والأمارات .
إذا عرفت ذلك فيمكن ادّعاء الانحلال بأحد الوجهين : امّا بادّعاء القطع بوجود جميع الأحكام الواقعيّة في ضمن الطرق ، وامّا بادّعاء انّه لم يكن من أوّل الأمر لنا قطع سوى القطع بوجود أحكام كثيرة في الطرق والأمارات ، لا انّه يكون لنا علمان أحدهما متعلّق بالاحكام الواقعيّة بنحو الإجمال ، والآخر متعلّق بالطرق وما فيها من الأحكام كما لا يخفى .
( 1 ) ( قوله : ربما استدل بما قيل من استقلال العقل بالحظر في الأفعال غير الضرورية . . . إلخ ) اعلم انّه استدلّ على وجوب الاحتياط بما ذهب إليه جماعة من الإماميّة من انّ الأصل في الأفعال غير الضرورية هو الحظر والمنع قبل ورود اذن وترخيص من الشرع ، والدليل على هذا الأصل العقلي هو انّ الممكنات بأسرها ملك للباري تعالى ، بل اعتبار ملكيتها للّه تعالى أعظم وأعلى من اعتبارها لغيره تعالى ، فانّه موجدها ، فالعقل يحكم ويستقل بقبح التصرف فيها من دون اذن مالكها ، فيكون الأفعال على الحظر حتى يرد من اللّه تعالى الاذن .