ثم لا يذهب عليك أنه مع هذا الاحتمال ، لا مجال لدعوى الوثوق - فضلا عن القطع - بكونها حقائق شرعية ، ولا لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها ، لو سلم دلالتها على الثبوت لولاه ، ومنه قد انقدح حال دعوى الوضع التعيّني معه ، ومع الغض عنه ، فالإنصاف أن منع حصوله في زمان الشارع في لسانه ولسان تابعيه مكابرة ، نعم حصوله في خصوص لسانه ممنوع ، فتأمل .
وأما الثمرة بين القولين ، فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت ، وعلى معانيها الشرعية على الثبوت ، فيما إذا علم تأخر الاستعمال ، وفيما إذا جهل التاريخ ، ففيه إشكال ، وأصالة تأخر الاستعمال مع معارضتها بأصالة تأخر الوضع ، لا دليل على اعتبارها تعبدا ، إلا على القول بالأصل المثبت ، ولم يثبت بناء من
شرح
وأمّا الصوم ، وهو نحو آخر ، اعتبار سكون النّفس عن النهوض إلى ملاذّها وشهواتها ، فهو أيضا كان قبل الإسلام ، كما عن تاريخ التوراة من حكاية الأمر به في الفصح [ 1 ] ، واليهود ملتزمون به إلى يومنا هذا ، وحكاية صوم مريم مذكورة في الكتاب الكريم [ 2 ] ، وغيره والعرب كانت تعبر عنه بالصوم ، وهكذا غيرها من ساير العبادات التي لا شبهة في وجود أمثالها في الأمم السابقة بأدنى تفاوت في حقائقها ، واختلاف تعبير في ألفاظها .
هامش
[ 1 ] الفصح ( بكسر الفاء وسكون الصاد ) عند النصارى : عيد تذكار قيامة المسيح عليه السلام ، وفصح اليهود : عيد تذكار خروجهم من مصر ، وهو تعريب ( فسح ) بالسين بالعبرانية ، ومعناه اجتياز وعبور أو نجاة هذا العيد عند المسيحيين يقع في الأحد الّذي بعد البدر الأول من الربيع ، وعند اليهود يقع في يوم ( 15 ) من شهر نيسان .
[ 2 ] إنّي نذرت للرّحمن صوما فلن أكلّم اليوم إنسيّا - سورة مريم : 26 .