والنزاع في الشكلين الأوّلين عقلي ، لأنه نزاع في الإمكان والاستحالة ، والحاكم فيهما هو العقل ، فهو الذي يحكم بالإمكان أو بالاستحالة ، وهذا بخلافه في الشكل الثالث ، فإنه نزاع في الدلالة ، والمرجع فيه العرف واللغة ، فالنزاع فيه عرفي ولغوي .
النزاع الأوّل :
أما النزاع بالشكل الأوّل فالمناسب فيه التفصيل بين التكليف الجدي الحقيقي والتكليف الانشائي ، فإذا كان التكليف حقيقيا - بمعنى أنه مجعول بداعي التحريك والزجر - فهو لا يمكن تعلّقه بالمعدوم ، لأن التكليف الحقيقي يشتمل على الطلب الحقيقي ، وهو لا يمكن أن يتعلّق بالمعدوم . « 1 »
وأما إذا كان التكليف انشائيا - أي لا يشتمل على زجر فعلي وتحريك فعلي - فيمكن تعلّقه بالمعدوم ، لأن الإنشاء مجرد اعتبار ، والاعتبار سهل المئونة .
وقد تسأل عن فائدة إنشاء التكليف في حقّ المعدوم ، فهل هناك فائدة ؟ ولما ذا لا ينتظر إلى أن يوجد وبعد ذلك يوجّه إليه التكليف ؟
نعم إن الفائدة في ذلك هي أن المولى بإنشاء خطاب واحد يستفيد فائدتين ، فهو في حقّ الموجود يكون مفيدا للتكليف الفعلي ، وفي حقّ المعدوم يكون مفيدا للتكليف الانشائي ، بمعنى أنه لو وجد فيصير في حقه فعليا بلا حاجة إلى إنشاء جديد ، فإنشاء واحد يكتفى به في حقّ الاثنين معا .
ويوجد لهذا بعض الشواهد العرفية والعقلائية ، من قبيل أن الواقف قد يوقف العين على البطون ويكون البطن الثاني معدوما حين إنشاء الوقف ، إنه في
هامش
( 1 ) كان من المناسب التعليل هكذا : إن التكليف الحقيقي حيث إنه يشتمل على زجر وتحريك ، والمعدوم لا يمكن زجره وتحريكه فيلزم عدم إمكان ثبوته في حقه .