ولكن هذا باطل ، فإن الأصل المثبت ليس باطلا بشكل مطلق ، وإنما الباطل هو الأصل العملي المثبت دون الأصل اللفظي المثبت ، « 1 » وحيث إن أصالة عدم التخصيص هي من الأصول اللفظية فتكون حجة في لوازمها غير الشرعية .
والنكتة الصحيحة هي أن مدرك حجية الأصول اللفظية ليس هو إلّا السيرة العقلائية ، والذي نجزم بانعقاد السيرة عليه هو العمل بأصالة عدم التخصيص حينما نشكّ في أصل خروج الفرد من الحكم بعد الجزم بكونه فردا من الموضوع ، فالعقلاء يعملون بالأصل المذكور في هذه الحالة ، أي حالة الجزم بكون الفرد مصداقا للموضوع والشكّ في خروجه من حكمه ، كما لو كنّا نعلم بكون زيد مصداقا للفقير جزما ولكن نشكّ في خروجه من الحكم ، إنه في مثله يتمسك العقلاء بأصالة عدم التخصيص كي يترتّب على ذلك شمول الحكم للفرد المشكوك ، أما إذا انعكس الأمر وجزم بكون الفرد خارجا من الحكم
هامش
( 1 ) هذا هو المعروف بين الأصوليين ، حيث قالوا بوجود فرق بين الأصل العملي والأصل اللفظي ، فالأصل العملي هو حجة من باب التعبّد ، والمستفاد من دليل حجية الاستصحاب مثلا هو أن الشرع يعبّدنا بالشيء وبلوازمه الشرعية ، وأما ما زاد على ذلك فلا يستفاد منه التعبّد ، ومن هنا لم يتوهم أحد أن القرآن الكريم حينما عبّدنا بكون نساء النبي صلّى اللّه عليه وآله امّهات للمؤمنين إنه عبّدنا أيضا بجواز النظر إليهن ، كلا ، وما ذاك إلّا لأن التعبد بشيء لا يستلزم التعبّد بلوازمه ، بل يقتصر على مقدار التعبّد لا أكثر ، وهذا بخلافه في الأصول اللفظية ، فإن حجيتها ليست من باب التعبّد ، بل من باب الظهور والكاشفية ، ومن المعلوم أن الكاشفية عن الشيء وعن لوازمه هي بدرجة واحدة ، لا أن الكاشفية عن أصل الشيء أقوى من كاشفيته عن لوازمه ، فإذا كان الظهور حجة في إثبات المدلول المطابقي لأجل كاشفيته فيلزم أن يكون حجة في إثبات المداليل الالتزامية أيضا لثبوت نفس الدرجة من الكشف .
هكذا قد تبيّن نكتة الفرق ، وقد تبيّن بشكل آخر ، فإن بيان نكتة الفرق متعدد ومختلف .